اَخبار

الرحلة الأخيرة.. أسرار تنشر لأول مرة عن ما قبل تحطم مروحية الدكتور جون قرنق

الخرطوم| الآن نيوز

بعد ثلاثة أسابيع فقط من توليه منصب النائب الأول لرئيس السودان ورئيس حكومة جنوب السودان الانتقالية، أجرى الدكتور جون قرنق دي مبيور رحلة سرية إلى أوغندا، لم يكن يعلم أحد أنها ستكون الأخيرة في حياته السياسية والعامة. رحلة محفوفة بالغموض السياسي والقلق الأمني، كُشف عن تفاصيلها لاحقًا في فيلم وثائقي بثته قناة الجزيرة.

 

وفقًا للروايات التي استعرضها الوثائقي، فقد غادر قرنق العاصمة الخرطوم متوجهًا إلى جوبا ونيو سايت، قبل أن يتسلل إلى أوغندا، حيث قضى يومين كاملين ضيفًا في منزل الرئيس يويري موسيفيني بمنطقة رواكيتورا، بعيدًا عن أعين أجهزة الأمن السودانية الرسمية.

 

🔹 رقابة الخرطوم ومحاولة فرض المرافقة

 

اللواء محمد علي مرتضى، الذي عُيّن كبيرًا لحراس قرنق من قِبل حكومة الخرطوم، روى كيف زاره قرنق في مكتبه وأبلغه بأنه سيقوم بجولة تشمل عدة مواقع، لكنه لا يرغب في أي مرافقة رسمية. وعندما أصر مرتضى على مرافقة الرجل الذي أصبح يشغل أعلى منصب جنوبي في الدولة الموحدة، أبلغه قرنق بهدوء: “قد أحتاجك لاحقًا، ولكن ليس في هذه الرحلة.”

 

وبحسب اللواء مرتضى، فإن رفض قرنق للسير تحت الحماية السودانية الرسمية كان نابعًا من شعوره بعدم الثقة، خاصة تجاه النخبة الحاكمة في الخرطوم، رغم الشراكة الهشة التي أفرزها اتفاق السلام الشامل الموقع في نيفاشا.

 

🔹 تحذيرات مبكرة… ورسائل مقلقة

 

المحامي والناشط السياسي غازي سليمان، كشف أنه التقى قرنق في القصر الرئاسي قبيل سفره، حيث أبلغه الأخير أنه سيزور أوغندا لأسباب شخصية. غير أن غازي تلقى لاحقًا اتصالًا هاتفيًا من مسؤولين سودانيين رفيعين – من بينهم وزير الدفاع حينها بكري حسن صالح – حذّراه فيه من أن “الدكتور جون قرنق قد يُقتل إذا استمر في السفر دون مرافقة رسمية.”

 

المسؤولان عبّرا عن قلقهما من أن قرنق، بصفته النائب الأول لرئيس الجمهورية، لا يمكنه التحرك بمفرده دون تنسيق مع الحكومة، مؤكدين أن أمنه بات مسؤولية مركزية مشتركة، محذرين بلهجة قاطعة: “إذا تركته، فسيموت.”

 

🔹 لقاءات سرية في منزل موسيفيني

 

بعيدًا عن التهديدات والتحذيرات، كشفت مصادر مطلعة للجزيرة أن قرنق استغل وجوده في أوغندا لعقد لقاء حساس مع سفراء كل من بريطانيا والولايات المتحدة وهولندا، ناقش خلاله مستقبل النفط في جنوب السودان، ومسألة الامتيازات الممنوحة لشركات أجنبية.

 

وبحسب الرواية، أعرب السفراء عن امتعاضهم من منح الحكومة السودانية امتيازات نفطية لشركات صينية، في وقت كان فيه الغرب يسعى لإعادة تشكيل خريطة المصالح النفطية في السودان، خاصة في المناطق الحدودية التي يُتوقع أن تصبح جزءًا من دولة جنوب السودان المستقبلية.

 

الرد الحاسم لقرنق خلال اللقاء كان:

“النفط الموجود في أراضينا هو ملك لشعب جنوب السودان، ونحن من نقرر لمن نبيعه.”

كلمة لم ترُق للدبلوماسيين الغربيين الحاضرين، والذين بدت عليهم علامات الانزعاج من موقف قرنق المستقل وغير الخاضع للإملاءات، وفقًا لما رواه كلٌّ من البروفيسور حسن مكي والصحفي واين مارسدن.

 

🔹 الرحلة الأخيرة… وتحطم الغموض

 

في مساء يوم 30 يوليو 2005، غادر الدكتور جون قرنق منزل الرئيس موسيفيني على متن مروحية رئاسية أوغندية من طراز روسي. أقلعت أولًا نحو عنتيبي للتزود بالوقود، قبل أن تواصل رحلتها إلى منطقة كوش الحدودية جنوب السودان. لم تصل الطائرة إلى وجهتها.

 

بعد ساعة فقط من الإقلاع، اختفت المروحية من الرادارات. وفي الساعات التالية، تأكد سقوطها، وتحطُّمها بالكامل، ما أسفر عن مقتل الدكتور قرنق ومرافقيه، لتطوي البلاد صفحة أحد أبرز رموز النضال في تاريخ السودان الحديث.

 

🔹 نهاية غامضة… وأسئلة باقية

 

رغم مرور عقدين تقريبًا على الحادثة، لا تزال الأسئلة معلّقة حول ملابسات الرحلة:

• هل كان قرنق هدفًا سياسيًا؟

• هل أغضب شركاءه في الخرطوم والغرب؟

• وهل شكلت مواقفه بشأن النفط وتحالفاته الإقليمية خطرًا على “صفقات قيد الإعداد”؟

 

موت قرنق لم يكن مجرد حادث طيران، بل كان نقطة تحول مفصلية في تاريخ السودان وجنوبه. ومنذ رحيله، لم تهدأ نيران الشكوك، ولا زالت الحقيقة الكاملة تنتظر من يملك الشجاعة لكشفها.

📺 المصدر: الجزيرة الوثائقية | إعداد: وحدة الشؤون السياسية – عمق الحدث

زر الذهاب إلى الأعلى