“التعويذة”: برنامج حواري أم غرفة تحقيق تلفزيونية؟ الإعلامية هنادي عبداللطيف تجيب…
الخرطوم | الآن نيوز

في المشهد الإعلامي السوداني والعربي، نادراً ما نجد صحفياً يجرؤ على التخلي عن “جلباب الآخرين” ليصنع هويته الخاصة. لكن الصحفي أحمد دندش فعل ذلك ببراعة عبر برنامجه “التعويذة” على قناة البلد الفضائية. دندش اثبت انه ليس مجرد محاور، بل هو “مهندس مواجهة” يعرف كيف يستفز وعي الضيف والمشاهد معاً.
1. الاستثناء لا القاعدة: التفرّد كمنهج
يرى الكثيرون أن دندش نموذج للصحفي الفني الذي صنع لنفسه “ماركة مسجلة”. في حين يميل الآخرون إلى الحوارات الهادئة (الناعمة)، يختار دندش الأسلوب الهجومي المدروس. هذا التفرّد ليس عشوائياً، بل هو نتاج خلفية صحفية قوية تدرك أن الجمهور لم يعد يبحث عن المعلومات المتوفرة في “غوغل”، بل يبحث عن “رد الفعل” والموقف الإنساني الصادق تحت الضغط.
2. الجدل.. علامة النجاح لا الإخفاق
توجيه النقد لبرنامج “التعويذة” بأنه “مثير للجدل” هو في الحقيقة شهادة نجاح. طبيعة البرامج الحوارية (Talk Shows) عالمياً، من مدرسة “لاري كينغ” إلى “طوني خليفة”، تقوم على:
خلق التساؤل: جعل المشاهد يطرح أسئلة مشروعة حول الشخصيات التي تتصدر المشهد.
أن ينقسم الناس حوله هو دليل على أن المحتوى “حي” ويحرك بركة الرأي العام الساكنة.
3. “التعويذة” والمقاييس العالمية
نوعية هذه البرامج موجودة في كبرى القنوات العالمية (Hard Talk). دندش استلهم هذه الروح وصبغها بصبغة سودانية استضافة شخصيات تثير التساؤلات بل هو دور إعلامي لمواجهة هذه الشخصيات بما يدور في أذهان الناس، ومنحهم الفرصة للدفاع عن أنفسهم أو كشف أقنعتهم.
4. فخ المقارنة: لماذا دندش لا يشبه أحداً؟
الخطأ الذي يقع فيه البعض هو محاولة وضع دندش في قالب مقارنة مع مذيعين آخرين. المقارنة هنا “ظالمة” للطرفين؛ لأن:
دندش لديه “لونيته”: نبرة صوته، لغة جسده، وطريقة صياغة السؤال “المباغت” هي بصمة خاصة.
هو لا يسأل ليعرف الإجابة فقط، بل يسأل ليختبر ثبات الضيف ومنطقه.
5. لغة الأرقام: “التعويذة” يتصدر التريند
لا يمكن قراءة تجربة أحمد دندش بمعزل عن الأرقام القياسية التي يحققها؛ فالمشاهدات العالية التي يحصدها البرنامج، سواء عبر شاشة “قناة البلد” أو من خلال المنصات الرقمية (يوتيوب، فيسبوك، وتيك توك)، تؤكد حقيقة واحدة: الجمهور يبحث عن المواجهة.
هذا التدفق المليوني للمشاهدات والتفاعل الواسع عبر “المنصات” يعكس الآتي:
القدرة على الجذب: استطاع دندش أن يكسر عزوف الشباب عن الشاشة التقليدية ويجذبهم لمتابعة حلقات كاملة على الإنترنت، مما يجعله المحرك الأول لـ “التريند” الفني.
هذه الأرقام تؤكد أن الأسئلة التي يطرحها دندش هي ذاتها “المسكوت عنه” الذي يدور في مجالس الناس، وما نجاحه الرقمي إلا دليل على أن البرنامج يلمس وتراً حساساً لدى المشاهد.
نادراً ما تمر حلقة من “التعويذة” دون أن تتحول مقاطعها إلى مادة دسمة للنقاش والتحليل في المجموعات والصفحات الإخبارية، مما يجعل دندش “صانعاً للحدث” لا مجرد ناقل له.
اكتساح “التعويذة” للمنصات الرقمية هو الرد العملي على كل من يحاول حصر التجربة في زاوية النقد الضيقة؛ فالجمهور -بمختلف فئاته- اختار أن يتابع، يتفاعل، ويشارك، لأن دندش باختصار يقدّم مادة “حية” ترفض التكرار والملل.
خلاصة القول:
إن تجربة أحمد دندش في “التعويذة” تظل حالة دراسية هامة في الإعلام الحديث. لقد أثبت أن الصحفي الفني يمكنه أن يكون “رقيباً” ومحللاً، وليس مجرد ناقل لأخبار النجوم. دندش لم يشبه أحداً.. لذا بقي “دندش”.

