كتاب رائ وعالمية

الانتخابات الإثيوبية “يونيو 2026” إثيوبيا على وشك إجراء انتخابات صورية أخرى

الخرطوم| الآن نيوز

( تبدو الانتخابات الإثيوبية أقرب إلى طقوس استعراضية منها إلى منافسات ديمقراطية حقيقية. لكن هذه الممارسات الجوفاء باتت تشكل خطراً متزايداً مع مواجهة البلاد لسلسلة من التهديدات المحدقة والمحيط .)

 

بقلم مختار إسماعيل

 

( مختار إسماعيل محلل إقليمي، ومستشار سابق للشؤون الإنسانية والتنموية لرئيس إقليم الصومال الإثيوبي ، وخبير سابق في الأمم المتحدة)

27 مايو 2026

 

إعداد الترجمة : عبد القادر الحيمي

 

 

على مدى سبعين عامًا تقريبًا، منذ عهد الإمبراطور هيلي سيلاسي وحتى يومنا هذا، شهدت إثيوبيا سلسلة من الانتخابات الصورية التي تبدو وكأنها تهدف إلى الحفاظ على الأوضاع الراهنة أكثر من منح المواطنين فرصة حقيقية لاختيار قادتهم. فمنذ أن فرضت الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية (EPRDF) النظام الفيدرالي الاثني عام ١٩٩٥، جرت ست انتخابات عامة، فاز فيها الحزب الحاكم في كل مرة.

 

ومن المرجح أن تسير ( الانتخابات العامة) المقرر إجراؤها في اليوم الأول من يونيو ٢٠٢٦ على نفس النهج المنوال ، إلا أن الوضع بات أكثر خطورة من أي وقت مضى.

 

رئيس الوزراء آبي أحمد الحائز على جائرة نوبل للسلام لعام 2019 و الذي قوبل بترحيب واسع كمنارة للإصلاح الديمقراطي . يقود اليوم أمة منقسمة على نفسها و على طول خطوط التصدعات المختلفة أدت لمعاناة البلاد من صراعات داخلية ترافقها حركات تمرد واسعة النطاق مع مخاطر وشيكة بنشوب حرب مع ارتريا، بينما تواصل الحكومة استعداداتها بقيادة حزب الرخاء PP والذي تأسس عام 2019 خلفا(للجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبية EPRDF) التي تم حلها

لم يسبق أن كان التناقض المتزايد بين الصورة التي ترسمها الحكومة للوضع والواقع المرير الذي يواجهه الكثير من الإثيوبيين أوضح مما هو عليه الآن.

 

 

 

بنية التحديد المسبق:

أصدر المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا. (NEBE) أرقامًا يُفترض أنها تُظهر ديمقراطية سليمة: 47 حزبًا سياسيًا مسجلًا، ونحو 11 ألف مرشح، وملايين الناخبين. إلا أن هذه الأرقام تُخفي أكثر مما تُظهر. فمعظم الأحزاب، علنًا أو ضمنًا، تُناصر الحزب الحاكم حزب الرخاء ، بينما تواجه الأحزاب التي تُحاول بصدق تقديم بدائل سياسية عقبات تتراوح بين البيروقراطية المُعقدة والعنف الذي ترعاه الدولة.

 

وتُعدّ جبهة تحرير شعب تقراي TPLF (القوة المهيمنة منذ زمن طويل في الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي (EPRDF)، وجبهة تحرير أورومو OLF، ومؤتمر أورومو الفيدراليOFC، وجبهة تحرير أوقادين الوطنية ONLF، كلها جماعات معارضة تحظى بدعم شعبي واسع ومع ذلك، غالبًا ما تعاني قياداتها من التهميش و الإقصاء.

 

 

هناك المضايقات والاعتقالات التعسفية والصعوبات البالغة التي تقودها الحكومة في الحصول على التراخيص اللازمة لممارسة أنشطتها كأحزاب شرعية. يجد هؤلاء أنفسهم عالقين في متاهة بيروقراطية مصممة لاستنزاف مواردهم وإضاعة وقتهم وتشتيت انتباههم عن أهدافهم. وبهذه الطريقة، تسعى الحكومة إلى خلق وهم المنافسة بينما تقمع أي تغيير سياسي حقيقي. وفي الوقت الذي تضع فيه العراقيل أمام المعارضة الحقيقية لجبهة تحرير شعب تقراي TPLF، وجيش تحرير الأورومو OLA، وجبهة تحرير اوروميا OFC ، مؤتمر أورومو الفيدرالي OLF. وافقت الهيئة الانتخابية في الوقت نفسه على المشاركة في الانتخابات للعديد من أحزاب المعارضة المتحالفة مع الحزب الحاكم كجرء من خطوة استراتيجية لإقناع المجتمع الدولي بوجود معارضة ذات مصداقية.( مؤتمر اوروميا الفيدرالي OFC كان أحد أحزاب الائتلاف الاثني الأربعة التي كانت تحكم إثيوبيا في عهد ملس زيناوي وهو الحزب الذي رشح ابي أحمد رئيسا للوزراء وفاز برئاسة الحزب الحاكم ورئاسة الوزراء بأصوات الأمهرة هذا الحزب الأكثر تعرضا للمضايفات و العراقيل تجابه خوضه الانتخابات – المترجم).

 

 

 

كانت هذه التكتيكات نفسها فعالة للغاية في عام 2021، فقد حقق حزب الرخاء فوزًا ساحقًا على المستويين الإقليمي والوطني في الانتخابات العامة في ذلك العام. ويشير فوزه شبه الكامل في البرلمان، بحصوله على 96.8% من مقاعد مجلس نواب الشعب البالغ عددها 547 مقعدًا، إلى تلاعب في النتائج بهدف ترسيخ السلطة بدلًا من دعم شعبي حقيقي. ورغم التشكيك الواسع في شرعية العملية، إلا أنها خدمت أجندة آبي أحمد: إجراء انتخابات رمزية مع ادعاء امتلاكه الدعم امتلاكه الدعم الشعبي والشرعية اللازمة للحكم.

 

 

معضلة المعارضة الاثيوبية :

 

تواجه المعارضة الإثيوبية اليوم خيارًا صعبًا يُسبب انقسامًا حادًا بين أعضائها. ترى بعض الفصائل أن المشاركة في العملية السياسية أمر بالغ الأهمية، إذ أن الانسحاب يعني ضياع فرصها المحدودة في التعبير عن معارضتها. في المقابل، يرى آخرون أن النظام برمته معيبٌ جوهريًا، مشيرين إلى انتخابات عام 2021 التي جرت في خضم نزاع تقراي (2020-2022). انتقد كثيرون تلك الانتخابات – التي لم يتم إجرائها في بعض مناطق البلاد، وشابتها اعتقالات لشخصيات معارضة بارزة، وقاطعتها العديد من جماعات المعارضة – باعتبارها دليلًا على أن المشاركة لا تُضفي شرعية إلا على نظام فاسد.

يصبّ هذا التشرذم في مصلحة الحكومة. فلو اتحدت أحزاب المعارضة، لأمكنها وضع استراتيجيات، وتوحيد مواردها، وتشكيل تحدٍّ رمزي على الأقل. إلا أنها لا تزال منقسمة، ليس فقط حول التكتيكات، بل أيضاً حول القضايا الجوهرية المتعلقة بمستقبل إثيوبيا السياسي، مما يعكس خلافات أعمق حول الدستور، والفيدرالية الاثنية والطريق نحو تغيير ديمقراطي حقيقي.

 

 

لا تُسهم الآليات الهيكلية للنظام السياسي الإثيوبي الحالي إلا في تعميق هذه الانقسامات. يُعقّد نظام الفوز للأكثر أصواتًا الأمور بالنسبة لأحزاب المعارضة: ففي عام 2021، حصدت هذه الأحزاب مجتمعةً 32% من الأصوات في العاصمة أديس أبابا، لكنها لم تفز بأي مقعد برلماني. ويُعدّ هذا النهج، الذي يُهيمن فيه الفائز على كل شيء، مُضرًا للغاية، لا سيما عند اقترانه بالتلاعب بالدوائر الانتخابية، وقمع الناخبين، والموارد غير المتناسبة التي يتمتع بها شاغلو المناصب. ولذلك، في إقاليم كل من الصومال وأوروميا، وغيرها من الأقاليم ، اختارت أحزاب المعارضة مقاطعة انتخابات 2021 بسبب العقبات التي فرضتها الحكومة، بما في ذلك الترهيب والاعتقالات والقيود المفروضة على الحملات الانتخابية. والآن، مع اقتراب انتخابات 2026، يُكافح موتمر الاورومو الفيدرالي (OFC) للعمل خارج أديس أبابا، حيث لا يسمح للحزب الا بترشّيح سوى عشرة مرشحين فقط، بينما كان مسموح لهم حوالي 400 مرشح في انتخابات عام 2005.

بحسب رئيس الحزب، فإن مشاركته في الانتخابات المقبلة تهدف أساسًا إلى منع إلغاء تسجيله لأن مجلس الانتخابات الإثيوبي BENE يلغي ترخيص الأحزاب التي ترفض المشاركة في الانتخابات.

 

 

المهددات الأمنية :

 

يرتبط الوضع الأمني في إثيوبيا ارتباطًا وثيقًا بمستقبل الانتخابات في البلاد، ومن المؤكد أن يكون له تأثير كبير على نتائجها. وقد أصدرت حركة أمهرة فانو الوطنية AFNM (وهي جماعة مسلحة تمثل شعب الأمهرة) مؤخرًا تحذيرًا شديد اللهجة، معلنةً أن كل من يشارك في العملية الانتخابية عدو لشعب الأمهرة، تمامًا كما تعتبر الحكومة نفسها. وبعد أكثر من عامين من حرب العصابات، باتت فانو تسيطر على مساحات شاسعة من ريف الأمهرة، وتشن عمليات ضد قوافل الحكومة ومسؤوليها، وأفراد الجيش وقواعدهم دون أية عواقب.

 

 

في غضون ذلك، يُكثّف جيش تحرير أورومو OLA أنشطته في جميع أنحاء أوروميا، مستغلًا الفراغ الأمني الناتج عن نشر الجيش الإثيوبي المزيد من القوات في شمال إثيوبيا. ويعمل جيش تحرير اوروميا على توسيع نطاق عملياته في المنطقة.

أما في مناطق أمهرة وأوروميا وتقراي، سيقتصر التصويت على المناطق الحضرية الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما يجعل فعلياً مساحات ريفية شاسعة لاتجري فيها الانتخابات – لأنها تحت سيطرة الجماعات المسلحة والتي تمردت على الدولة – . وقد أصدر المجلس الوطني للانتخابات خريطة انتخابية تصنف الدوائر الانتخابية حسب وضعها الأمني. المناطق الخضراء مستقرة، والمناطق الحمراء معرضة لخطر النزاع، والمناطق الصفراء بينهما. وتنتقد أحزاب المعارضة الخريطة لاعتمادها على بيانات حكومية غير موثوقة. ومما يزيد الأمر سوءاً، أن المجلس لم يعالج رسمياً هذا القيد الجغرافي، وهو تقصير يقوض بشكل خطير أي مزاعم بالشرعية الديمقراطية الوطنية. وحتى لو تمكن المجلس من إجراء الانتخابات بأمان في هذه المناطق، فإن الجماعات المتمردة المسيطرة تعتبر الانتخابات مزورة وستمنع الناخبين عن التصويت كما هددت بقتل كل من يرشح نفسه وقتل بعضهم.

 

 

في 17 أبريل الماضي هدد إئتلاف يضم ثمانية أحزاب سياسية في إثيوبيا بالانسحاب من انتخابات يونيو ما لم تعالج السلطات خلال سبعة أيام ما يُزعم من انتهاكات قانونية وترهيب ومخالفات إدارية. واتهم الائتلاف الحزب الحاكم وأجهزة أمن الدولة بتقييد الحريات السياسية، وحذر من المشاركة فيما وصفه بـ”الشرعية غير المشروعة”. ويعتزم الحزب الثوري الشعبي الإثيوبي تنظيم احتجاج سلمي في 28 مايو/ لتسليط الضوء على الظروف الانتخابية غير العادلة والصراعات المستمرة التي تقوض مصداقية الانتخابات.

 

عجز مجلس الانتخابات الإثيوبي NEBE

 

منذ عام ٢٠٢١، تضررت سمعة المجلس الوطني للانتخابات، حيث زعمت أحزاب المعارضة أن السلطات الفيدرالية قد سيطرت على المجلس. ومؤخراً، أعربت ثمانية أحزاب معارضة عن قلقها إزاء متطلبات التسجيل الصارمة التي يفرضها المجلس، بما في ذلك شهادات الميلاد وبطاقات الهوية الوطنية، والتي يصعب على الناخبين في المناطق الريفية والنازحين داخلياً استيفاؤها. وتؤدي هذه العقبات فعلياً إلى حرمان عدد كبير من المواطنين من حقهم في التصويت.

برز تصرفين ، على وجه الخصوص حول عدم حياديةَ مجلس الانتخابات الوطني الإثيوبي NEBE وهو المنوط به تسجيل الأحزاب وفقا للوائحهه والإشراف على إجراء الانتخابات في قراره المفاجئ في مايو 2025 بمنع جبهة تحرير شعب تقراي TPLF من المشاركة في الانتخابات العامة المقبلة، بينما سمح لحزب سيمريت بزعامة قيتاشيو ريدا بالتسجيل. يشغل قيتاشيو منصب مستشار رئيس الوزراء آبي أحمد لشؤون شرق أفريقيا بدرجة وزير ، وكان رئيسًا مؤقتًا سابقًا لإقليم تقراي قبل أن تطرده جبهة تحرير شعب تقراي عام 2024. ويبدو أن هذه الخطوة قد نُسّقت مع السلطات الفيدرالية بهدف إنشاء قوة سياسية موالية لأبي احمد في تقراي لإضعاف فصيل الجبهة الحاكمة للإقليم.

 

علاوة على ذلك، ارتبط اسم المجلس الوطني للانتخابات (NEBE) بالإجراءات الحكومية الأخيرة الرامية إلى تقويض الروابط المتنامية بين متمردي فانو وسلطات تقراي. ومن بين هذه الإجراءات القرار المثير للجدل الصادر في فبراير الماضي بإعادة توزيع المناطق المتنازع عليها في غرب تقراي وضمه إلى أمهرا، بهدفٍ ترجيح التوترات القومية لدى كلا الجانبين واجهاض التحالف الناشئ بينهما .( هناك نزاع قديم بين الامهرا وتقراي على منطقة غرب تقراي المتاخمة للحدود السودانية وقد نصت اتفاقية بريتوريا للسلام الموقعة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب التقراي لإعادة منطقة كل غرب التقراي ومنطقةَ رأيا شمال امهرا لتتبع إقليم تقراي – المترجم).

 

 

 

في إقليم الصومال تطبق استراتيجية مماثلة فبدعم من جهات فاعلة في الحكومة الفيدرالية والمجلس الانتخابي، قامت حكومة الصومال الإقليمية بحلّ جبهة تحرير أوقادين الوطنية الشرعية (ONLF) واستبدلتها بفصيل جديد متحالف مع حزب الرخاء الحاكم . وقد مُنح هذا الفصيل الجديد ترخيصًا للعمل كجبهة تحرير أوقادين الوطنية الرسمية.( جبهة تحرير اوقادين فصيل سياسي وعسكري رئيسي في الإقليم وقد تحالف مع التقراي وساهم بقوة في إسقاط نظام منقستو هيلي مريام وهو أكثر الأقاليم الإثيوبية نزعة للانفصال ليس للانضمام للصومال الفيدرالي بل لإعلان دولة أوغادين المستقلة – المترجم).

 

علاوة على ذلك، منع المراقبين الدوليين من مراقبة الانتخابات ، أو أُجّلت مشاركتهم في المراقبة إلى أجل غير مسمى. وتتعرض منظمات المراقبة المحلية لتهديدات مستمرة ومتواصلة، حيث يواجه أعضاؤها المراقبة والمضايقات وخطر الاعتقال الوشيك. كما يُمنع الصحفيون من التغطية الصحفية في مناطق النزاع وتغطية الانتخابات. وفي الوقت نفسه، أُغلقت أكثر من 1500 منظمة من منظمات المجتمع المدني في السنوات الأخيرة، وعُلّقت أنشطة العديد منها، وازدادت القوانين المنظمة لها تقييدًا. في ظل هذه الظروف، حيث تُقيّد الرقابة المدنية بشدة في أحسن الأحوال، تتحول فكرة الانتخابات الحرة والنزيهة من هدف إلى أمر يبدو ضربًا من الخيال.

 

 

برميل بارود إقليمي :

 

بينما تستعد إثيوبيا لمرحلة الانتخابات، باتت الجبهة الشمالية على شفا الفوضى مجدداً. فقد تم نشر عشرات الآلاف من جنود قوات الدفاع الوطني الإثيوبية ENDF بالقرب من حدود تقراي، وأثارت تصريحات آبي أحمد العدائية بشأن الوصول إلى البحر الأحمر مخاوف في العواصم المجاورة. ويبدو أن هذا التحرك العسكري قد أتاح الفرصة لفانو للتغلب على قوة الشرطة الخاصة الأمهرية المحلية والقوات القليلة المتبقية التي كان من المفترض أن تسد الفراغ الأمني الذي خلفته القوات المنسحبة.

 

جبهة تحرير شعب تقراي TPLF قيادتها السابقة للحرب، متجاهلةً تمديد الحكومة الفيدرالية للإدارة المؤقتة للاقليم التي أُنشئت بعد اتفاقية بريتوريا لعام 2022 التي أنهت عامين من الصراع. ويحذر المراقبون من أن أزمة القيادة في تقراي قد تتصاعد إلى قتال متجدد في غياب الحوار. وتستمر القوات والأسلحة الإريترية في التدفق إلى المناطق الحدودية، مما يشير إلى أن جهات خارجية وداخلية على حد سواء تستعد لصراع متجدد، بغض النظر عن الجدول الزمني للانتخابات.

 

 

ي تقودها القوات المسلحة السودانية SAF التي تخوض حربًا ضارية ضد قوات الدعم السريعRSF، إثيوبيا بشنّ هجمات بطائرات مسيّرة على أهداف سودانية، من بينها مطار الخرطوم الدولي. وقد سحب السودان سفيره من أديس أبابا وهدّد بالرد. وكان التوتر متصاعدًا بالفعل بسبب إنشاء قاعدة تدريب جديدة لقوات الدعم السريع في جنوب غرب إثيوبيا، رغم نفي إثيوبيا أي تورط لها وتأكيدها على حيادها في الحرب الأهلية السودانية. و هو ما يُعدّ خطر اندلاع صراع إقليمي كبيرا يبدو مرتفعا ، إذ أن شرارة صغيرة في شمال إثيوبيا أو شرق السودان كفيلة بإشعال فتيل الصراع في منطقة القرن الأفريقي بأكملها، مما يؤدي إلى انخراط قوى إقليمية ذات مصالح متضاربة وتحويل الأزمة السياسية الداخلية في إثيوبيا إلى صراع دولي أوسع نطاقا.

 

 

أن توفر تحالف لأبي أحمد في الخليج يدل على أن التأثيرات الخارجية. تلعب دورا كبيرا الأوضاع مستقرة إلى حد ما في الوقت الراهن، لكن ثمة نظريات متعددة حول سبب تردد أديس أبابا في الانخراط في صراع مع السودان . يرى البعض أن ذلك يعود إلى ضعف الجيش الإثيوبي نتيجةً لجهود مكافحة التمرد المطلة . بينما يعتقد آخرون أن الإمارات العربية المتحدة، الحليف الرئيسي، تخشى دعم حرب أخرى في إثيوبيا في ظل استمرار معاناتها من تداعيات الصراعات في الشرق الأوسط. وتأتي زيارة آبي أحمد الأخيرة إلى الإمارات لحشد الدعم وسط تصاعد التوترات بين طهران والولايات المتحدة

 

أن توفر حلفاء لأبي أحمد في الخليج يدل على أن التأثيرات الخارجية تلعب دوراً كبيراً في خياراته السياسية والخارجية – بدءاً من دعم قوات الدعم السريع RSF نيابة عن الإمارات العربية المتحدة وصولاً إلى توقيع مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع أرض الصومال تمنح إثيوبيا قاعدة بحرية أو منفذاً ساحلياً مقابل الاعتراف باستقلال أرض الصومال.

 

في غضون ذلك، التقى مسؤولون من الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة تباعاً بقادة في أديس أبابا في وقت سابق من هذا العام، مؤكدين جميعاً على أهمية الاستقرار الإقليمي. و قد تحدّ هذه التحركات الدبلوماسية من خيارات آبي أحمد، على الأقل في الوقت الراهن. ولكن كما أظهرت السياسة الإثيوبية مراراً وتكراراً، فإنّ نظرة رئيس الوزراء لنفسه، التي تُشبه نظرة المسيح، واستعداده لتحمّل تكاليف باهظة في سبيل تحقيق رؤيته، تجعل الضغط الخارجي قيداً غير موثوق به.

 

 

 

مآلات الانتهاكات الدستورية :

 

حتى في أكثر الأنظمة استبدادًا، لا تقتصر الانتخابات على إضفاء الشرعية فحسب، بل توفر بيانات عن الدعم الشعبي، وتساعد في تحديد الحلفاء المحليين الموثوق بهم، وتتيح فرصًا لمكافأة المؤيدين المخلصين وتهميش المعارضين. مع ذلك، قد يكون للانتخابات الإثيوبية المقبلة هدفٌ أكثر تحديدًا هو توفير واجهة ديمقراطية لإجراء تغييرات دستورية جوهرية.

 

ليس سراً في الأوساط السياسية الإثيوبية أن حزب الرخاء الحاكم لا يُولي اهتماماً كبيراً للدستور الفيدرالي الاثني لعام 1995. لطالما أشارت فلسفة آبي أحمد “مديمر” والتي نشرها كتابا بنفس الاسم – التي تعني “التآزر” – إلى تحول نحو مزيد من السلطة المركزية ( طالما رفضت الأقاليم الإثيوبية تاريخيا مركزية السلطة في أديس وطالما انتفضت ضدها وناهضتها. ( ان إلغاء النظام الفيدرالي الذي طالما انتقده ابي أحمد سيؤدي إلى مواجهات مع أقاليم البلاد – المترجم) على الرغم من أن ملامحها الدقيقة لا تزال غامضة عمداً.

 

من المتوقع أن تقترح لجنة الحوار الوطني، التي أُطلقت بحفاوة بالغة عام ٢٠٢٢ لكنها لم تُحرز تقدماً يُذكر، تعديلات على مبادئ الفيدرالية الاثنية، وهي تعديلات من شأنها ترسيخ السلطة التنفيذية في المركز مع تقليص الرقابة البرلمانية وتقليص الاستقلال الذاتي للاقاليم والذي أقرته المادة 39 من الدستور الإثيوبي.

 

 

إن فوزاً انتخابياً حاسماً لحزب الرخاء، بغض النظر عن كيفية تحقيقه، سيوفر النفوذ السياسي والتفويض اللازمين لإجراء مثل هذه التغييرات الدستورية. وما يُرجّح أن يُتوّج ابي أحمد بدورة رئاسية ثانبةَ في يونيو قد لا تكون غاية في حد ذاتها، بل خطوة نحو تحوّل مؤسسي أعمق وإعادة هيكلة إقليمية، وهو ما قد يُعيد رسم المشهد السياسي الإثيوبي لأجيال قادمة.

 

 

 

حدود للتتويج بالرئاسة

 

يبرز آبي أحمد، البالغ من العمر 41 عامًا فقط، كزعيم شاب في أفريقيا. وقد أوضح بجلاء رغبته في البقاء في السلطة لفترة طويلة، ولا يوجد ما يشير إلى أن أية ضوابط ديمقراطية ستحد من سلطته. يميل نهجه الديكتاتوري إلى شبه استعماري، حيث تحتل طموحاته الشخصية الصدارة، ويتعامل مع الانتخابات والتمردات والصراعات الإقليمية والأزمات الإنسانية كعقبات في سعيه لتحقيق التحول الوطني.

 

علاوة على ذلك ، من المرجح جدا أن تكشف الانتخابات العامة الإثيوبية المقبلة عن قصور وهشاشة الدولة أكثر من إظهار قوتها. يعيش عدد لا يحصى من الإثيوبيين في مناطق لا يمكن أن يتم فيها التصويت، إما بسبب سيطرة المتمردين أو عجز الحكومة عن ضمان سلامة الناخبين. كما نزح كثيرون آخرون بسبب القتال، وعرقلت الصراعات نفسها التي تدّعي الحكومة معالجتها فرصهم في التسجيل والتصويت. إضافةً إلى ذلك، سيتابع ملايين التقراي عملية انتخابية تم تهميش منطقتهم فيها إلى حد كبير، ما يُذكّر بوضوح بأن هذه الانتخابات “الوطنية” تجري في بلدٍ، في الواقع، بعيد كل البعد عن الوحدة.

 

 

ستتم عملية التصويت في الانتخابات ، ومن المرجح جدا أن يظل آبي أحمد في منصبه لدورة رئاسية ثانية ، ويتلقى من المجتمع الدولي على الأرجح تهاني فاترة مع الإشارة بنصحه إلى “مجالات تحتاج إلى تحسين”. وستستمر آلية الشرعية الديمقراطية في إنتاج النتائج التي صُمِّمت من أجلها. ومع ذلك، مهما بلغت فخامة مراسم التتويج، فلن تُخفي حقيقة أن دولة إثيوبيا تتضاءل سيطرتها على أراضيها ومساحتها السياسية، ومجتمع يستمر في الانقسام، ونظام سياسي لا يمنح مواطنيه سوى خيارات ضئيلة.

 

في إثيوبيا اليوم، لم تكن قيود الانتخابات أوضح مما هي عليه الآن، ولم تكن المخاطر التي تواجه الشعب الإثيوبي أكبر مما هي عليه الآن والتي تسهم الانتخابات الصورية بشكل مباشر في تأجيجها.

زر الذهاب إلى الأعلى