الأمين داؤود يكتب.. “شرق السودان” علاقةٌ ضعيفةٌ بالدولة وانتماءٌ عميقٌ للأرض
الخرطوم | الآن نيوز

بين شعورٍ بالتهميش وضعف الاهتمام التنموي، يظل إنسان الشرق متمسكًا بأرضه وهويته، في علاقةٍ حميمةٍ مع المكان تقابلها علاقةٌ باهتة مع مؤسسات الدولة.
ظل شرق السودان عبر سنوات طويلة منطقة ذات أهمية كبيرة في تاريخ البلاد واقتصادها، لما يتمتع به من موقع استراتيجي يطل على البحر الأحمر ويضم الميناء الرئيسي للدولة في بورتسودان، إلى جانب مدن تاريخية ومجتمعات عريقة في كسلا والقضارف. ورغم هذه الأهمية، ظلت العلاقة بين الدولة وشعوب شرق السودان علاقة يشوبها قدر من الضعف والفتور، خاصة وسط فئة الشباب.
فمنذ استقلال السودان عام 1956، كان الأمل كبيرًا لدى أبناء الشرق في أن تنال منطقتهم نصيبها العادل من التنمية والخدمات، وأن تكون لهم مشاركة حقيقية في مؤسسات الدولة وصنع القرار. غير أن الواقع الذي عاشته المنطقة عبر العقود الماضية أفرز شعورًا متزايدًا بأن الاهتمام بقضايا الشرق ظل محدودًا، وأن التنمية لم تصل إلى مستوى التطلعات التي كان ينتظرها المواطن.
وقد انعكس ذلك في ضعف البنية التحتية في كثير من المناطق، وقلة فرص العمل، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والصحة. هذا الواقع أسهم في اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع المحلي، خصوصًا بين الشباب الذين يتطلعون إلى مستقبل أكثر استقرارًا وفرصًا أوسع للحياة الكريمة والمشاركة في بناء وطنهم.
لكن في المقابل، تبدو علاقة إنسان الشرق بأرضه مختلفة تمامًا عن علاقته بالدولة. فالأرض بالنسبة لأبناء الشرق ليست مجرد مساحة يعيشون عليها، بل هي جزء من الذاكرة والهوية والتاريخ. إنها أرض الأجداد ومصدر العيش وموطن القيم والعادات التي شكلت وجدان المجتمع عبر الأجيال.
ولهذا ظل إنسان الشرق مرتبطًا بأرضه ارتباطًا وثيقًا، يحافظ عليها ويتمسك بها رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية. فالأرض في نظره ليست مجرد مورد، بل رمز للكرامة والانتماء والاستمرار. ومن هذا الارتباط العميق يستمد أهل الشرق قدرتهم على الصمود والحفاظ على مجتمعهم وثقافتهم.
إن مستقبل شرق السودان يتطلب إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطني هذا الإقليم على أسس أكثر عدالة واهتمامًا بالتنمية. فتعزيز الخدمات، وتوفير فرص العمل، وتمكين الشباب من المشاركة في صنع القرار، كلها خطوات ضرورية لبناء علاقة جديدة تقوم على الشراكة الحقيقية.
فحين يشعر المواطن في شرق السودان بأن دولته تنظر إليه باعتباره شريكًا في الوطن لا مجرد طرف بعيد عن مركز القرار، يمكن أن تتحول العلاقة من حالة الضعف والتباعد إلى علاقة ثقة وتعاون، تسهم في بناء سودان أكثر تماسكًا وعدلاً لجميع أبنائه.

