أريج خرساني تكتب… الجمارك السودانية صمود وثبات تستحق وسام الإنجاز
الخرطوم | الآن نيوز

دعوني استهل هذا المقال بالترحم والدعاء على روح الفقيد مدير هيئة الجمارك السودانية السابق، الفريق حسب الكريم، الذي وافته المنية خلال الأيام الماضية، بعد مسيرة وطنية حافلة بالعطاء والتجرد وخدمة الدولة. فقد كان الراحل أحد الرموز الإدارية والوطنية التي أسهمت في ترسيخ دعائم العمل الجمركي، ووضع لبنات مهمة في مسيرة تطوير الهيئة، وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة المؤسسة ووجدان منسوبيها. رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
في خضم الأزمات التي عصفت بالبلاد، وعلى رأسها الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية، برزت هيئة الجمارك السودانية كواحدة من أكثر الهيئات صمودًا وثباتًا، تؤدي واجبها الوطني دون تراجع، وتمارس دورها الحيوي كالسيف البتّار في وجه المهربين وضعاف النفوس الذين حاولوا استغلال ظروف البلاد لتحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب الاقتصاد الوطني وأمن المجتمع.
لم تتوقف الجمارك يومًا عن أداء مهامها، رغم التحديات الجسيمة ونقص الإمكانيات وتعقيد الأوضاع، بل واصلت العمل في الموانئ والمعابر والحدود، واضعة نصب أعينها حماية موارد الدولة، والحفاظ على استقرار الأسواق، ومنع استنزاف النقد الأجنبي وتهريب السلع الاستراتيجية. لقد أثبتت الهيئة أنها ليست مجرد جهاز رقابي، بل خط الدفاع الأول عن الاقتصاد الوطني.
وخاض منسوبو الجمارك معارك حقيقية ضد شبكات التهريب والجريمة المنظمة، وقدّموا في سبيل ذلك تضحيات جسيمة، حيث استُشهد عدد من أفرادها خلال عمليات مطاردة ومضاربة مع مهربين ومجرمين مسلحين. هذه التضحيات تؤكد أن معركة الاقتصاد لا تقل خطورة عن أي معركة عسكرية، وأن الاستقرار يُحمى بدماء رجال أوفياء آمنوا برسالتهم الوطنية.
وسجّلت الهيئة إنجازات نوعية في مكافحة التهريب، حيث تمكنت من إحباط تهريب كميات كبيرة من السلع والمواد الاستراتيجية، إلى جانب ضبطيات ضخمة من المخدرات التي تستهدف ضرب الشباب والمجتمع. ومن أبرز الضبطيات اللافتة، إحباط محاولة تهريب أسماك القرش بواسطة صيادين، في جريمة تمس الأمن البيئي والاقتصادي، وتكشف يقظة الجمارك ووعيها الشامل بحماية ثروات البلاد الطبيعية.
وفي إطار مواكبة التطور، أدخلت هيئة الجمارك السودانية التكنولوجيا الحديثة والخدمات الإلكترونية في عملها، ما أسهم في تسريع وتيرة الإجراءات، وتسهيل المعاملات، وتعزيز الشفافية، والحد من الفساد، وتحسين بيئة العمل والاستثمار. هذا التحول الرقمي يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء جهاز جمركي عصري قادر على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
يقود هذه المسيرة اليوم الفريق صلاح أحمدإبراهيم، مدير هيئة الجمارك السودانية، بعقلية إصلاحية وحضور ميداني فاعل، حيث عمل على تعزيز الجاهزية، ورفع كفاءة الكوادر، وتطوير الأداء المؤسسي، مع التركيز على الضبط النوعي والعمل الاستخباري. وقد استطاع، رغم ظروف الحرب، أن يحافظ على تماسك الهيئة واستمرار عطائها، مؤكدًا أن الجمارك ستظل صمام أمان الاقتصاد الوطني، وحارسًا يقظًا لمقدرات البلاد.
وبكل ما تحقق من إنجازات وتضحيات، فإن هيئة الجمارك السودانية تستحق بجدارة وسام الإنجاز للعام 2025، تقديرًا لدورها الوطني المشهود، ورسالتها الواضحة بأن السودان، مهما اشتدت عليه الأزمات، يملك رجالًا يحرسون اقتصاده بوعي وشجاعة وإخلاص.

