أحمد علي عبدالقادر يكتب.. ما الذي يفعله رئيس الوزراء كامل إدريس؟
الخرطوم | الآن نيوز

اتخذ رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس قرارات عديدة من بينها دمج الشركة السودانية للسلع الاستهلاكية في وزارة المالية، و يثير القرار العديد من التساؤلات حول جدواه الإدارية والاقتصادية، خاصة في ظل غياب توضيحات كافية للرأي العام حول الأسباب الحقيقية التي دفعت إلى اتخاذ هذه الخطوة. فالقرارات المتعلقة بالمؤسسات الاقتصادية التي تمس حياة المواطنين مباشرة يجب أن تقوم على أسس واضحة من الكفاءة والشفافية وتحسين الأداء، لا أن تكون مجرد إعادة ترتيب إداري قد يخلق مشكلات جديدة دون أن يحل القديمة.
أول ما يلفت الانتباه في هذا القرار هو غياب المبرر العملي المقنع. فإذا كانت الشركة – كما يُقال – لم تكن تقدم خدمات واضحة أو لم يكن لها دور رقابي مؤثر، فإن السؤال المنطقي يصبح: ما الفائدة من دمج مؤسسة ضعيفة الأداء في مؤسسة حكومية أكبر؟ فالإصلاح المؤسسي عادةً يبدأ بتقييم الأداء، ثم إعادة الهيكلة أو التطوير، وليس بالضرورة دمج الكيانات في الوزارات بشكل قد يزيد التعقيد الإداري.
ومن الناحية الإدارية، فإن أحد أبرز المخاطر التي قد تنتج عن هذا القرار هو تعقيد الإجراءات البيروقراطية. فالشركات الحكومية غالبًا ما تتمتع بدرجة من المرونة في اتخاذ القرار مقارنة بالوزارات التي تخضع لسلاسل طويلة من الإجراءات والتصديقات. وعندما تُدمج شركة ذات طبيعة تشغيلية في وزارة ذات طبيعة بيروقراطية، قد يؤدي ذلك إلى بطء في اتخاذ القرار وفقدان القدرة على الاستجابة السريعة لاحتياجات السوق.
كما أن فقدان المرونة الإدارية يمثل خطراً آخر. فالشركات عادة تعمل بمنطق تجاري وإداري يختلف عن منطق المؤسسات الحكومية التقليدية. وعندما تنتقل هذه الشركة إلى مظلة وزارة، قد تفقد أدواتها التشغيلية السريعة، لتصبح مجرد وحدة إدارية إضافية ضمن جهاز حكومي ضخم.
إضافة إلى ذلك، يطرح القرار تساؤلات مهمة حول وضوح الاختصاصات والمسؤوليات. فحتى إذا أصبحت الشركة رسمياً تابعة لوزارة المالية، فإن المسؤولية العملية اليومية لن تكون بالضرورة بيد الوزير د. جبريل ابراهيم مباشرة، بل عبر مستويات متعددة من الإدارة. وهذا قد يؤدي إلى تداخل في الصلاحيات أو غموض في تحديد من يتحمل المسؤولية الفعلية عن القرارات الاقتصادية والتجارية المتعلقة بالشركة.
ومن المخاطر التي لا يمكن تجاهلها أيضاً تراجع الكفاءة في الأداء.
فالمؤسسات التي تفقد استقلاليتها التشغيلية قد تتحول من كيانات اقتصادية إلى وحدات إدارية بطيئة الحركة، مما يضعف قدرتها على أداء دورها في السوق أو في توفير السلع للمواطنين.
أما أخطر ما يمكن أن ينشأ عن مثل هذه القرارات فهو احتمال زيادة فرص الفساد الإداري. فحين تختفي الحدود المؤسسية الواضحة بين الجهات المختلفة، وتصبح المسؤوليات موزعة بين مستويات متعددة داخل الوزارة، قد يصبح من الصعب تتبع مسار القرار أو تحديد المسؤول عن أي خلل.
وفي مثل هذه الحالات قد تمر بعض القرارات دون رقابة حقيقية، أو تُتخذ لمصالح ضيقة دون أن يكون هناك نظام مساءلة فعال.
قد يقول البعض إن تبعية الشركة لوزارة المالية تجعل الوزير مسؤولاً عنها بشكل مباشر، وبالتالي تنتفي مخاوف تضارب الاختصاصات. لكن في الواقع، المسؤولية القانونية لا تعني بالضرورة الرقابة اليومية التفصيلية. فالوزير يدير وزارة كاملة تضم عشرات الإدارات والهيئات، ولا يمكنه متابعة كل التفاصيل التشغيلية لشركة واحدة. لذلك تبقى الحاجة قائمة إلى أنظمة رقابة داخلية مستقلة وآليات شفافية واضحة.
في نهاية المطاف، لا يمكن الحكم بشكل قاطع على أي قرار إداري بمعزل عن نتائجه العملية. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الدمج المؤسسي يجب أن يكون وسيلة لتحسين الكفاءة والشفافية، لا مجرد خطوة تنظيمية قد تخلق طبقة إضافية من البيروقراطية والغموض الإداري. وإذا لم تُصاحب هذا القرار إصلاحات حقيقية في الإدارة والرقابة والمساءلة، فقد يتحول إلى عبء إداري جديد بدلاً من أن يكون خطوة نحو الإصلاح الاقتصادي.
لذلك فإن المعيار الحقيقي لنجاح هذا القرار لن يكون في إعلانه، بل في مدى قدرته على تحسين الأداء، وتقليل الهدر، وتعزيز الشفافية، وخدمة المواطن السوداني بشكل أفضل. دون ذلك، سيظل القرار محل جدل مشروع في الأوساط الاقتصادية والإدارية.

