كتاب رائ وعالمية

أحمد علي عبدالقادر يكتب.. “البرهان” يعلن الطلاق للشرق و يتزوج الولايات المتحدة 

الخرطوم| الآن نيوز

البرهان… يعلن الطلاق للشرق و يتزوج الولايات المتحدة

بقلم د. أحمد علي عبد القادر

البرهان… حين يكتب إعلان الطلاق من الشرق ويضع السودان على خط استراتيجي جديد

كما توقعنا قبل أكثر من ثلاثة أشهر منصرمة عبر هذه المساحة، فالمقال الذي نُشر باسم القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في أخيرة وول ستريت جورنال الأمريكية ليس مجرد توضيحاً سياسياً، ولا هو خطاب علاقات عامة موجه للغرب؛ بل هو وثيقة سياسية تحمل من الرسائل أكثر مما يظهر على السطح. هذه الرسائل، إذا ما قرأناها بعمق، تشير إلى تحوّلاً جذرياً في تموضع السودان الجيوسياسي. فخطاب القائد العام البرهان هو بمثابة طلاق بائن وواضح من المعسكر الشرقي وعلى رأسه روسيا والصين التي حاولت اللعب على الحبلين ودعم المليشيا أسلحة حديثة تسببت في سقوط الفاشر مؤخراً، وبنفس القدر هو إعلان انحياز صريح للولايات المتحدة وتحويل الحرب في السودان من ملف داخلي إلى معركة موقع دولي.

أولاً: اللغة التي لا تقول فقط… بل تضع خطاً فاصلاً

القائد العام البرهان قدّم في مقاله نقداً واضحاً ومباشراً لسلوك مليشيا الدعم السريع، وركّز على الهجوم الذي طال بعثات أمريكية واغتيال حارس في السفارة الأمريكية. هذه ليست إشارات عابرة، بل هي حجارة متعمّدة تُلقى في بركة العلاقات الدولية. البرهان أراد أن يثبت أن المليشيا ليست شريك سلام، بل تهديد مباشر للمصالح الأمريكية، و نجح في إيصال رسالته نجاحا ملحوظاً.

هذا الخطاب لا يُكتب إلا حين يكون صانعوه قد حسموا خياراتهم. فالسودان يقول للولايات المتحدة: نحن معكم بوضوح… ولن نركن بعد اليوم إلى لغة الغموض.

ثانياً: رسائل البرهان حول الدور السعودي – الأمريكي: شكر مشفّر ومعركة تموضع

الترحيب الذي أبداه القائد العام البرهان بتصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وكذلك إشادته بالرئيس ترامب ولقائه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ليست مجرد دبلوماسية. إنها إعادة تعريف لمعسكر السودان الجديد.

السعودية والولايات المتحدة، في المقال، ليستا وسطاء، بل حلفاء استراتيجيون. هذا إعادة صياغة كاملة لمعادلة الخرطوم الخارجية، وقطع تدريجي مع موسكو وبكين اللتين ظلّتا تراهنان على مسافة مناورة سودانية تسمح لهما بالتمدد في البحر الأحمر والذهب والسلاح.

ثالثاً: الإشارة إلى اتفاقيات إبراهيم… ليست للتاريخ بل للغد

حين ذكَر القائد العام بكل ذكاء انضمام السودان لاتفاقيات إبراهيم عام 2021، فهو لم يكن يسترجع الماضي. كان يقول للغرب: أنا الرجل الذي يثبت عند كلمته ، وأنا الذي أعاد السودان إلى الخارطة الإقليمية المتحالفة مع واشنطن، و أنا الذي سأنسق مع المملكة العربية السعودية في مسألة الاتفاقيات الابراهيمية بذات المسافة ولن أقبل وجود أبو ظبي في المنتصف، نعم هكذا أرادها البرهان.

هذه النقطة وحدها كافية لتوضيح الاتجاه الجديد: تعزيز موقع السودان ضمن محور الشرق الأوسط المتحالف مع الولايات المتحدة.

رابعاً: ماذا يعني هذا للشرق؟

الروس والصينيون كانوا ينتظرون من الخرطوم شيئاً آخر: قاعدة بحرية في بورتسودان، اتفاقيات تعدين أوسع، وتوسيع النفوذ الاستراتيجي في البحر الأحمر.

لكن مقال البرهان، في جوهره، يقول: هذا انتهى.

وهذا الطلاق السياسي لن يظل مجرد كلمات مكتوبة؛ بل ستكون له تبعات واضحة:

1. انكماش الدور الروسي في البحر الأحمر وإعادة تقييم أي ترتيبات عسكرية أو لوجستية كانت مطروحة.

2. تراجع النفوذ الصيني في مشاريع البنية التحتية الكبرى التي كانت تنتظر انتهاء الحرب.

3. تحوّل السودان إلى نقطة ارتكاز أمريكية جديدة في محيط مضطرب يضم القرن الأفريقي والبحر الأحمر واليمن.

خامساً: السودان ما بعد “المقال”… مرحلة جديدة في الحرب والسياسة

من يقرأ المقال كوحدة واحدة يدرك أن السودان يتجه نحو:استراتيجية أمنية جديدة برعاية واشنطن والرياض.

ترتيبات انتقال سياسي قادمة لن تكون فيها روسيا ولا الصين لاعبين أساسيين.

ملف إعادة الإعمار الذي سيكون أميركياً وخليجياً بدرجة أكبر، مع إقصاء هادئ للنفوذ الشرقي.

تحالفات عسكرية جديدة تتجاوز المرحلة الراهنة وتبني على مفهوم مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي.

ختاماً: مقال البرهان ليس رأياً… بل إعلان موقع جديد

هذا الخطاب التاريخي هو خريطة طريق جديدة للسودان، وإن قرأه البعض كرسالة عاطفية للولايات المتحدة، إلا أن جوهره هو إعلان القطيعة الكاملة مع الشرق، وإعادة السودان إلى المحور الغربي في واحدة من أهم لحظات إعادة تشكيل الإقليم.

السودان اليوم لا يعيد تعريف الحرب فقط… بل يعيد تعريف موقعه في العالم.

والقادم… قد يحمل تحولات أكبر مما يظنه كثيرون.

زر الذهاب إلى الأعلى