أبو زينب يكتب.. “هاجر سليمان”صحفية بشجاعة “قلب أسد” وعاطفة “أم رؤوم”
الخرطوم | الآن نيوز

في زمنٍ تتراجع فيه القيم المهنية أمام الضجيج، وتختلط فيه الأصوات الحرة بأصوات المصالح، تبرز هاجر سليمان كاسمٍ مختلف، وكحالة صحفية لا تُشبه إلا نفسها. ليست مجرد صحفية عملت في قسم الجريمة، بل مقاتلة ميدانية حملت قلمها كما يحمل الجنود بنادقهم، ودخلت أخطر ميادين العمل الصحفي بلا خوف ولا مساومة.
هاجر سليمان تُعد من أخطر وأجرأ الصحفيات السودانيات اللائي عملن في ملف الجريمة، ليس لأنها تبحث عن الإثارة، بل لأنها اختارت أن تواجه المستور، وأن تكشف القبح المختبئ خلف الواجهات اللامعة. ملفات المخدرات، شبكات الدعارة، عصابات الإتجار بالبشر، والجرائم المنظمة… كلها كانت ساحات اشتباك يومي لها، دخلتها بوعي، وبشجاعة، وبإيمان راسخ بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة.
لا يختلف اثنان ان هاجر تمتلك شخصية استثنائية؛ قوية في الموقف، صلبة عند المواجهة، لا تنكسر أمام التهديد ولا ترتبك أمام الضغوط. وفي الوقت ذاته تحمل قلباً إنسانياً نابضاً، يعرف متى يكون حازماً، ومتى يكون رحيماً. هذه المعادلة الصعبة – القوة مع الإنسانية – هي ما جعلها تحظى باحترام الخصوم قبل الأصدقاء.
كانت من أوائل الصحفيين الذين تمكنوا من بناء شبكة مصادر حقيقية داخل القوات النظامية بصورة عامة، وداخل الشرطة بصورة خاصة، ليس عبر العلاقات السطحية، بل عبر سنوات من المصداقية، والانضباط، واحترام المعلومة. لذلك كانت أخبارها تصل ساخنة، دقيقة، ومسنودة، وهو ما منحها وزناً مهنياً ثقيلاً في الوسط الصحفي.
صعودها المهني لم يكن ضربة حظ، بل نتاج عرق وسهر ومخاطرة. وصلت إلى منصب رئيس قسم الجريمة في واحدة من أكبر الصحف السودانية، وهو موقع لا يُمنح إلا لمن أثبت كفاءة عالية وقدرة على الإدارة وصناعة الخبر وصياغة الخطاب الصحفي المؤثر. بل وصل الأمر إلى مرحلة أصبح فيها نجاح الصحيفة وتميز صفحتها الجنائية مرتبطاً بوجود اسم هاجر سليمان ضمن فريقها.
لكن طريق الشجعان دائماً محفوف بالأشواك. تعرضت هاجر لحملات تشويه منظمة من تجار مخدرات ومفسدين وضعاف نفوس، حاولوا كسرها معنوياً بعد أن عجزوا عن إسكاتها مهنياً. واجهت الأكاذيب بالصمت حيناً، وبالقانون حيناً آخر، وبمزيد من العمل والنجاحات دائماً. لم تنجر إلى معارك جانبية، بل ركزت على هدفها الأساسي: كشف الحقيقة.
وسط زملائها الصحفيين، تتمتع هاجر بعلاقات واسعة قائمة على الاحترام المتبادل. خلقت حولها قاعدة عمل راقية تقوم على التعاون لا الإقصاء، وعلى المهنية لا الشللية. هي قاسية مع الخطأ المهني، لكنها حنينة مع الإنسان. تقف بقوة في قضايا الزملاء، تدافع عن حقوقهم، وتساندهم في أزماتهم، وتفتح أبوابها لكل من طرقها باحثاً عن نصيحة أو دعم.
فترة اندلاع الحرب لم تخرج هاجر وظلت مع اسرتها في الحاج يوسف قرابة الثلاث سنوات تمكنت من إنزال خبرتها في ملف الجريمة على أرض الواقع جعلها تتموه مع كل موقف حتى تضمن بقاء اسرتها على قيد الحياة وأصبح تمتلك أرشيف يمكن أن يوثق في شكل فلم سينمائي عن ما عاشتة خلال فترة الحرب
لهذا كله، لم يكن غريباً أن تُلقب بـ“المرأة الحديدية”، ولا أن يشبهها البعض بـ“مارغريت الصحافة السودانية”. فهي نموذج للمرأة التي كسرت الصورة النمطية، وأثبتت أن الصحافة الميدانية القاسية ليست حكراً على الرجال، وأن الجرأة ليست صوتاً عالياً فقط، بل موقفاً ثابتاً.
هاجر سليمان تمثل جيلاً من الصحفيين المؤمنين بأن الكلمة يمكن أن تهز عروش الفساد، وأن المقال قد يكون أقوى من الرصاصة، وأن الحقيقة – مهما طال زمن دفنها – ستخرج يوماً إلى النور.
التحية لها، ولكل صحفي شجاع يسير على دربها.
التحية لامرأة جعلت من القلم سلاحاً، ومن الضمير بوصلة، ومن المهنية عنواناً.
هاجر سليمان… ليست مجرد اسم في صفحة جريدة، بل مدرسة في الصحافة الجريئة، وصوت لا يمكن إسكاتُه.

