كتاب رائ وعالمية

أبو زينب يكتب.. صبري جبور: الصحفي الذي يدخل القلب دون استئذان

الخرطوم | الآن نيوز

في زمنٍ ازدحمت فيه المهنة بالضجيج، وارتفعت فيه الأصوات أكثر من المعاني، يطل اسم صبري جبور كاستثناء نادر، لا يطرق الأبواب بعنف، ولا يفرض حضوره بالصراخ، لكنه يدخل القلب مباشرة… دون استئذان. يدخل بثبات، بهدوء، وبهيبة الصحفي الحقيقي الذي يعرف متى يتكلم، ومتى يترك أثر الصمت يفعل فعله.

صبري جبور ليس مجرد صحفي عابر في مشهد متخم بالأسماء، بل حالة مهنية وإنسانية تستحق التوقف عندها. صحفي شاطر، نعم، لكن شطارته لا تكمن فقط في صياغة الخبر أو إدارة العناوين، بل في قدرته الفريدة على الفصل الصارم بين العمل الصحفي والشأن الاجتماعي، وهي مهارة نادرة في زمن تداخلت فيه العلاقات بالمصالح، وضاعت فيه الحدود.

هادئٌ إلى حد يربكك…

ومحبوبٌ إلى درجة تجعلك تتساءل: كيف يمكن للهدوء أن يكون مرعباً إلى هذا الحد؟

مرعب لأنه يفضح الفوضى من حوله، ويكشف هشاشة من يختبئون خلف الضجيج.

صبري جبور من الصحفيين المتميزين بحق، أولئك الذين يصعدون دون أن يدوسوا على أكتاف الآخرين، ويصلون دون أن يسرقوا الضوء. وصوله إلى منصب رئيس قسم الأخبار في واحدة من أعرق وأكبر الصحف السودانية لم يكن صدفة، ولم يكن مجاملة، بل كان استحقاقاً مهنياً خالصاً، كتبه بالالتزام، والانضباط، والعمل الصامت الذي لا يحتاج إلى تصفيق.

في رئاسة الأخبار، حيث الضغط، والتوتر، وسرعة القرار، كان جبور حاضراً بكامل تركيزه. يلتزم بكل مهمة تُسند إليه، وينجزها – دون مبالغة – بنسبة تفوق المئة بالمئة. لا يعرف التهاون طريقاً إلى مكتبه، ولا يقبل أنصاف الحلول، لكنه في ذات الوقت لا يحول الصرامة إلى قسوة، ولا يحول الانضباط إلى خوف.

كل من عمل معه، يحتفظ له بذكرى طيبة لا تُمحى.

طيب المعشر، حسن الخلق، نظيف اليد، نقي القلب.

لا يأخذ حق زملائه، ولا ينسب مجهود غيره لنفسه، ولا يسرق نجاحاً لم يصنعه. وهذه، في حد ذاتها، بطولة أخلاقية في مهنة أرهقتها الصراعات الخفية.

ومن أكثر المحطات التي تُحسب له، إتاحته الفرصة للصحفيين المتدربين إبّان توليه رئاسة قسم الأخبار في صحيفة آخر لحظة. لم يتعامل معهم كأعباء، ولا كأسماء هامشية، بل كصحفيين قادمين يستحقون الدعم، والتوجيه، والمساحة العادلة للتعلم. فتح لهم الأبواب، ومنحهم الثقة، وعلّمهم بالقدوة قبل التعليم.

صبري جبور لا يرفع صوته، لكن أثره يصل بعيداً.

لا يستعرض إنجازاته، لكنها تتكلم عنه.

ولا يفتعل المعارك، لكنه ينتصر دائماً… بأخلاقه.

حتى في لحظات التوتر، حين تكون غرف الأخبار ساحات اشتباك عصبي، يقابلك بابتسامته الشهيرة؛ تلك الابتسامة التي تمتص غضبك، وتُطفئ توترك، وتذكّرك أن الصحافة، قبل أن تكون مهنة، هي إنسانية.

هو من أولئك الذين يجعلونك تؤمن أن الصحافة ما زالت بخير، وأن المهنة لم تفقد روحها بعد. وجوده في أي مؤسسة ليس إضافة رقمية، بل قيمة حقيقية، وثقل مهني، وطمأنينة أخلاقية.

صبري جبور…ليس فقط صحفياً ناجحاً، بل درساً قائماً في النزاهة، وشهادة حية على أن الهدوء قد يكون أقوى من ألف صرخة،وأن الدخول إلى القلوب لا يحتاج إلى استئذان… حين تكون صادقاً.

 

زر الذهاب إلى الأعلى