كتاب رائ وعالمية

أبو زينب يكتب.. “السر القصاص” إعلامي بشخصية وزير

الخرطوم| الآن نيوز

في المشهد السوداني المزدحم بالوجوه العابرة والأصوات المترددة، يبرز السر القصاص كشخصية مختلفة، لا تشبه سوى نفسها. رجل لا يعتمد على منصب كي يثبت مكانته، ولا ينتظر تصريحًا كي يسمع صوته. هو من النوع الذي يصنع هيبته من وضوحه، ويبني حضوره من لغته، ويؤسّس تأثيره من قوة شخصيته قبل أي شيء آخر.

 

منذ سنوات، ظل القصاص نموذجًا لمدرسة إعلامية لا تتوارى خلف الشعارات، ولا تختبئ بين الكلمات. يتحدث بثقة لا تتصنّع القوة، بل تستمدها من معرفة عميقة بما يقول. الوضوح عنده ليس خيارًا؛ هو سمة ملازمة. كثيرون يتحدثون، لكن قليلين يمتلكون القدرة على قول الحقيقة دون رتوش، ودون مخافة الاصطدام بأحد. وهذا ما يمنحه مكانة لا يختلف حولها اثنان.

 

أما لغة الجسد، فهي جزء أساسي من حضوره. يقف كمن يعرف تمامًا قيمة ما سيقوله، ويحرك يده كمن يرسم معاني جديدة في الهواء، ويجلس كمن يسيطر على كل تفاصيل اللحظة. ليست لغة الجسد هنا مجرد حركة؛ بل رسالة. رسالة تقول: “أنا حاضر، أنا واثق، وأنا أعرف ما أفعل.” وهذه السمة نادرة في إعلاميين كثر، لكنها عند القصاص جزء من تكوينه الطبيعي.

 

الكاريزما، تلك الصفة التي لا تُشترى ولا تُمنح، بل تُولد مع أصحابها، تتجلى بوضوح في شخصيته. ليس لأنه يرفع صوته، ولا لأنه يبالغ في حضوره، بل لأنه ببساطة يمتلك قدرة فطرية على شد الانتباه، وصناعة حالة من التركيز حول ما يطرحه. الكاريزما عند القصاص غير مصطنعة؛ فهي انعكاس لتجربة، وصدق، وشخصية مستقرة تعرف ماذا تريد.

 

وهنا نأتي إلى جانب مهم: الطموح. فالسر القصاص ليس إعلاميًا يسعى إلى الظهور من أجل الظهور. طموحه يتجاوز الشاشة والميكرفون، لأنه يرى الإعلام رسالة ومسؤولية، ويرى ضرورة وجود أشخاص أصحاب رؤية في مواقع التأثير. هو من النوع الذي يفكر في المستقبل، لا في “الترند”، ويبحث عن بناء وعي، لا زيادة مشاهدات.

 

ومثل هذه الشخصيات، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يمكن تجاهل ما تمتلكه من قدرات. فالدول لا تُبنى بالفوضَى ولا بالمجاملات، بل بأصحاب الشخصية القوية، والكاريزما الحقيقية، والوضوح الذي لا يخشى المكاشفة. وأمثال القصاص كثيرون في السودان، لكنهم غالبًا يقفون خارج المنظومة، بينما تمتلك الدولة احتياجات كبيرة لمثل هذه الطاقات.

 

وعليه، فإن على الدولة — أي دولة تسعى للنهوض — أن تنظر بجدية إلى مثل هذه الكوادر، وأن تستفيد من قدراتهم في مواقع تُناسب تأثيرهم. فالرجل يمتلك شخصية وزير حتى قبل أن يدخل أي مكتب حكومي، ويملك أدوات القيادة والإقناع والتواصل، وهي عناصر جوهرية في صناعة القرار وإدارة الملفات الوطنية.

 

السر القصاص ليس حالة فردية؛ هو مثال لنماذج سودانية عديدة تمتلك الذكاء، والطموح، والحضور، والقوة الفكرية، لكنهم ينتظرون فقط أن تُفتح لهم أبواب المشاركة الحقيقية في صناعة مستقبل البلد. وإذا فشلنا في الاستفادة من هذه الطاقات، فإن الخسارة لن تكون خسارتهم… بل خسارة وطن يحتاج إلى كل عقل مضيء وصوت واضح.

 

هذا زمن الرجال الواضحين… والقصاص أولهم.

زر الذهاب إلى الأعلى