وحي القلم.. نسرين الحكيم تكتب.. حين تُشوه الهوية على أنغام الـ(تيك توك)
الخرطوم| الآن نيوز

لم تعد الغربة مجرد بُعد عن الوطن، بل تحولت عند البعض إلى بُعد عن الأصل، عن الحياء، عن الثقافة السودانية التي كانت يومًا ما عنوانًا للستر والرصانة والمكانة.
في التيك توك، تُخاض معارك قذرة باسم “التمثيل” و”الفن” و”الترند”، وتخرج علينا فئة تُطلق على نفسها “قونات” لتقدم للعالم نسخة مشوهة من المرأة السودانية.
نساء في المهاجر يرقصن، ويصرخن، يتشاجرن في بثوث مباشرة مليئة بالفضائح والألفاظ البذيئة. ثم يُقدمن أنفسهن كممثلات لنا، نحن بنات السودان، بنات البلد، بنات الطمي والتاريخ والحياء.
من سمح لهن بتمثيلنا؟ من أعطاهن حق احتكار الصورة؟ كيف تحولت “القونة” إلى سفيرة السودان في فضاء رقمي لا يرحم؟ وأين نحن – كجمهور ومجتمع ونساء حقيقيات – من كل هذا الصخب الذي يُراد له أن يكون صوتنا؟
لسنا ضد الشهرة، ولا ضد المحتوى، لكننا ضد المحتوى الذي يفرغ المرأة من معناها، ويعيد تعبئتها بشكل هجين: لباس غريب، ألفاظ ساقطة، تقليد أعمى، واستعراض لا يشبهنا في شيء.
ما يُقدمنه ليس فنًا بل هو استهلاك متكرر لنفس الجسد، نفس التصرفات، نفس المهزلة، فنٌ لا يضيف شيئًا للمجتمع، لا وعي، لا قضية، لا مضمون هو مجرد ضجيج بلا معنى، وغبار إلكتروني يعلو فوق صورة السودان النقية.
القونة لا تمثلني، لأنها لا تشبه نساء بلدي الحقيقيات لا تمثل تلك التي تصحو على جراح الوطن، وتطهو من الألم صبرًا، وتلبس الثوب بحياءٍ لا زيف فيه لا تمثل من تؤمن أن الكلمة أشرف من الجسد، وأن الكرامة أول الطريق، لا آخره.
كوني ما تشائين لكن لا ترفعي علم السودان لتغطي به ما تُظهِرين، ولا تتحدثي باسمنا، فنحن لم نختر هذا الشكل، ولم نفوض أحدًا ليبيع هويتنا مقابل متابعين فمن أرادت أن تُعرف، فلتُعرف بعقلها، لا بصوتها المرتفع ومن أرادت أن تُمثل السودان، فلتُمثله بما يليق بتاريخه لا بما يجذب خوارزميات التطبيقات لأن المرأة السودانية لا تحتاج لايف لتثبت قوتها، ولا تحتاج جسدها لتصنع أثرها.
مع محبتي

