نصرالدين عثمان أبو زينب يكتب.. “عازة إيرا” حينما تصبح المرأة حصناً لشرق السودان
الخرطوم | الآن نيوز

في شرق السودان، حيث البحر يراقب الحكايات القديمة، والجبال تحفظ أسرار الرجال والنساء، تبرز أسماء قليلة لا تمر مرور العابرين… أسماء حين تُذكر يشعر الناس بشيء من الطمأنينة، وشيء من الهيبة، وشيء من الخوف أيضاً. ومن بين تلك الأسماء، تقف “عازة إيرا” كأنها راية لا تنكس، وصوت لا يعرف التراجع.
هي ليست مجرد صحفية تكتب الأخبار، ولا ناشطة سياسية تملأ المنابر حديثاً وشعارات، بل حالة كاملة من الوعي والانتماء والقتال بالكلمة. امرأة استطاعت أن تحفر اسمها في ذاكرة شرق السودان بأحرف من ذهب، لا لأنها تبحث عن الأضواء، وإنما لأنها اختارت أن تكون في قلب المعركة كلما اقترب الخطر من الإقليم.
التقيت بعازة إيرا مرتين فقط. لم يطل بيننا الحديث، ولم تجمعنا جلسات طويلة، لكنني عرفتها جيداً عبر كتاباتها ومنشوراتها ومواقفها. كنت كثيراً ما ألجأ إليها عبر مواقع التواصل الاجتماعي مستفسراً عن معلومة، أو باحثاً عن حقيقة وسط هذا الضجيج الكبير، وكانت دائماً تملك الإجابة.
صفحتها على “فيسبوك” ليست مجرد حساب عادي؛ إنها غرفة أخبار متكاملة. الأخبار التي تكتبها تصل كالرصاص: مباشرة، صادمة، ومخيفة أحياناً. وحتى هذه اللحظة، لم أرَ معلومة نشرتها ثم عادت لتنفيها. تكتب الحقيقة كما هي، مهما كانت موجعة، مهما كانت مرعبة، ومهما كانت العواقب.
عازة تنظر إلى شرق السودان بعين اللبوة على أشبالها. وحين يشعر الأسد نفسه بأنه يشكل خطراً على صغارها، فإن اللبوة لا تتردد في الهجوم. كذلك هي عازة إيرا؛ إذا شعرت أن هنالك تهديداً يقترب من الشرق، تتحول كلماتها إلى معركة مفتوحة، ولا تهدأ لها لوحة مفاتيح، ولا يبرد هاتفها، حتى ينزاح ذلك الخطر.
ولعل أكثر ما يميزها أنها لا تبدأ بالعنف. لغتها في الأصل جميلة، سلسة، وممتعة، فيها كثير من الذكاء والهدوء. لكنها حين تكتشف أن الصمت لن يحمي أهلها، تتحول نبرتها إلى شيء يشبه العاصفة. كلماتها تصبح حادة، مرعبة، وصادمة، كأنها تطلق صافرات إنذار في مدينة نائمة.
ورغم هذه الصلابة، فإن الجانب الإنساني فيها لا يختفي. وسط الاجتماعات واللقاءات والملفات الساخنة، تظهر المرأة الطيبة التي لا تنسى زملاءها. تقف مع الصحفيين والصحفيات في أزماتهم، تسندهم، وتفتح قلبها قبل هاتفها. وما فعلته مع الزميلة رشان أوشي ظل شاهداً على معدن هذه المرأة، فلا أحد ينسى من يقف معه وقت الانكسار.
لطالما تمنيت أن أجلس معها في حوار صحفي طويل، لا للحديث عن السياسة وحدها، بل لاكتشاف السر الحقيقي وراء هذه القوة. من أين تأتي بكل هذا الإصرار؟ وكيف تستطيع امرأة واحدة أن تحمل كل هذا الحب لشرق السودان دون أن تسقط في فخ العنصرية أو الكراهية؟
لكن ربما الإجابة بسيطة جداً… الإنسان بطبيعته يحن إلى أرضه، يخاف عليها، ويقاتل لأجلها. وعازة إيرا لم تفعل سوى أنها حولت هذا الحنين إلى مشروع دفاع كامل عن الإقليم وأهله.
وجودها في شرق السودان ليس أمراً عادياً، بل رسالة واضحة بأن الإقليم ما زال يملك أبناء وبنات قادرين على حمايته بالكلمة والموقف والشجاعة. ليست قيمتها لأنها سياسية أو سيدة أعمال أو ناشطة مشهورة، بل لأنها تعرف كيف توظف صوتها لخدمة الناس، وكيف تجعل من الكلمة سلاحاً يوحد لا يفرق.
في زمن كثرت فيه الأصوات المرتجفة، تبقى عازة إيرا واحدة من الأصوات التي تتحدث بثبات… وكأنها تقول للجميع:
“شرق السودان ليس وحيداً… ما دام فينا من يقاتل بالكلمة.”

