كتاب رائ وعالمية

مهند يعقوب يكتب.. انهيار مشروع دولة الجنيد الكبرى وإنتصار الدولة على أوهام القوة

الخرطوم | الآن نيوز

لم تكن الأزمة السودانية التي انفجرت في السنوات الأخيرة حدثاً معزولاً عن سياقها التاريخي بل جاءت امتداداً لتراكمات سياسية عميقة صاحبت الدولة السودانية منذ الاستقلال تراكمات أفرزت اختلالات بنيوية في إدارة التنوع والتعدد وأضعفت مؤسسات الحكم وفتحت المجال أمام صعود قوى موازية استثمرت في هشاشة الدولة وتناقضات المشهد السياسي.

 

وفي قلب هذه التحولات برزت مليشيات الدعم السريع الارهابية بوصفها أحد أخطر تجليات هذا الخلل البنيوي إذ لم تتوقف عند حدود الدور العسكري الذي نشأت في إطاره بل تطورت تدريجياً نحو بناء مشروع سلطة متكامل استند إلى القوة المسلحة والتمدد الاقتصادي والعلاقات الإقليمية والدولية في محاولة لإعادة تشكيل الدولة السودانية وفق حسابات عرقية ضيقة ومصالح خاصة.

 

لقد راهنت قيادة هذه المليشيا خلال سنوات طويلة على تحويل النفوذ العسكري المؤقت إلى مشروع سياسي دائم مستفيدة من حالة الاضطراب التي عاشتها البلاد ومن التناقضات التي صاحبت مراحل الانتقال السياسي.

 

ومع تمددها العسكري، عملت على بناء إمبراطورية اقتصادية واسعة شملت قطاعات التعدين والتجارة والخدمات اللوجستية والطرق والجسور، إلى جانب أنشطة محظورة محلياً وإقليمياً ودولياً وفرت لها موارد مالية ضخمة مكّنتها من بناء استقلالية شبه كاملة عن مؤسسات الدولة.

 

كما أسهم انخراطها في ملفات إقليمية، بما في ذلك مشاركتها في حرب اليمن والهجرة الغير شرعية عبر الحدود السودانية في منحها شبكة علاقات إقليمية ودولية عززت من طموحاتها السياسية وأوهامها بإمكانية فرض واقع جديد في السودان.

 

ومن هنا تبلورت ملامح ما يمكن تسميته بـ( مشروع دولة الجنيد الكبرى ) وهو مشروع قام على تصور خاطئ مفاده أن امتلاك المال والسلاح والدعم الخارجي كفيل بصناعة دولة عرقية ضيقة أو على الأقل بفرض سلطة بديلة على أنقاض الدولة الوطنية.

 

وجاء تمرد الخامس عشر من أبريل تتويجاً عملياً لهذا التصور حين سعت المليشيا إلى السيطرة على مؤسسات الدولة بالقوة معتقدة أن ما راكمته من نفوذ اقتصادي وعسكري يكفي لحسم معركة الإرادة الوطنية.

 

غير أن حسابات القوة المجردة كثيراً ما تصطدم بحقائق التاريخ فقد أثبتت تطورات الأحداث أن الدولة السودانية، رغم ما أصابها من ضعف وترهل ما تزال تمتلك من عناصر البقاء ما يفوق كل رهانات المليشيا وطموحها العرقي كما أثبت السودانيون بمختلف انتماءاتهم أن الوطن أكبر من أن يُختزل في مشروع عائلي أو جهوي أو في رهانات وهمية متخيلة.

 

ومع تراجع نفوذ المليشيا ميدانياً وسياسياً بدأت التصدعات الداخلية تضرب بنيتها من الداخل لتكشف حجم الهشاشة التي كانت مختبئة خلف مظاهر القوة الصورية.

 

فما نشهده اليوم من انقسامات وتشظيات ليس مجرد خلافات عابرة بل هو انعكاس طبيعي لبنية تأسست على احتكار القرار والثروة لا على الشراكة أو المؤسسية ولقد كشفت هذه الأزمة أن أي مشروع سياسي يقوم على العصبية الضيقة، أو يستند إلى فائض القوة العسكرية دون سند وطني جامع يظل مشروعاً مؤقتاً سرعان ما يتأكل عند أول اختبار حقيقي.

 

إن انهيار هذا المشروع لا يمثل مجرد هزيمة عسكرية لمليشيا متمردة بل يحمل دلالة سياسية أعمق، تتمثل في سقوط وهم إمكانية بناء سلطة مستقرة خارج إطار الدولة الوطنية.

 

*ختاماً:ـ*

إن الدرس الأكبر الذي تفرضه هذه اللحظة التاريخية المفصلية هو أن الأوطان لا تُبنى بالقوة المجردة، ولا تُدار بمنطق الغلبة، ولا تُختزل في مشاريع عابرة مهما امتلكت من المال والسلاح.

 

سأظل اكرر أن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق السودانيين ستظل حاضرة في الذاكرة الوطنية ولن تسقط بالتقادم لأن العدالة ليست خياراً سياسياً ظرفياً، بل شرطاً أساسياً لأي سلام مستدام في البلاد.

وسيبقى السودان رغم الجراح قادراً على النهوض من جديد لأن الدول التي تستند إلى إرادة شعوبها تنتصر دائماً على أوهام القوة ومشاريع الهيمنة العرقية العابرة.

 

*

زر الذهاب إلى الأعلى