من ركام الحرب إلى غرف الطوارئ.. مركز الملك سلمان يقود أكبر تحرك لإعادة إعمار الصحة في السودان
الخرطوم | الآن نيوز

تقرير مي علي آدم……. مع دخول الحرب عامها الثالث، بدأت ملامح مرحلة ما بعد القتال تظهر على الأرض، ليس عبر البنادق بل عبر العربات والأسرة والأجهزة الطبية. مشروع “نحو التعافي الصحي وإعادة الإعمار” دخل حيز التنفيذ فعلياً، ليضع أول لبنة في إعادة بناء القطاع الصحي الذي تلقى ضربات قاسية خلال أشهر النزاع.
المشروع الذي يُنفذ بتمويل من وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي ومنحة مباشرة من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، يستهدف استعادة الخدمات الصحية في كل الولايات والمدن والقرى، بميزانية إجمالية تبلغ 13 مليون دولار.
منحة لا شراء: كيف وصلت العربات والمعدات
خلافاً لما يحدث في المشاريع المعتادة، لم تشترِ وزارة الصحة هذه المعدات. مركز الملك سلمان قدم 55 عربة إسعاف و10 عربات للصرف الصحي كمنحة مباشرة للحكومة السودانية. حتى الآن وصلت 5 عربات إسعاف وبدأت العمل ميدانياً، بينما تبقى بقية العربات والمعدات في طريقها حسب الجدول المتفق عليه.
المنحة لم تتوقف عند العربات. شملت أجهزة ومعدات متكاملة لأقسام الطوارئ والعناية المكثفة والمعامل والعمليات، وهي الأقسام التي توقفت كلياً أو جزئياً في معظم المستشفيات المرجعية.
دور وزارة المالية هنا كان في تمويل التشغيل. فبدون مرتبات الكوادر، والوقود، والمستهلكات الطبية، تظل المعدات مجرد حديد. لذلك تكفلت الوزارة بتشغيل الأقسام الحيوية مباشرة لضمان أن تفتح هذه الأقسام أبوابها فور وصول الأجهزة.
“معجزة في زمن صعب”: قراءة في تصريحات جبريل إبراهيم
وزير المالية والتخطيط الاقتصادي د. جبريل إبراهيم لم يتحدث بلغة الأرقام فقط. وصف ما حققته وزارة الصحة خلال سنوات الحرب بأنه “معجزة في زمن صعب”. والسبب واضح: العمل انطلق من الصفر في ظل انهيار البنية التحتية، انقطاع الإمداد، وخروج أعداد كبيرة من الكوادر من الخدمة.
جبريل ربط بين صمود الكوادر الطبية وبين استمرار الدولة نفسها. وأكد أن وزارته ستواصل دعم استبقاء الأطباء، وإعادة تأهيل المستشفيات، وتوفير خدمات بأسعار معقولة.
لكن اللافت في حديثه كان تركيزه على الوقاية. قال إن توفير المياه النقية والتوعية الصحية هما المدخل الأساسي للحد من انتشار الأمراض. وهو تشخيص دقيق لما حدث في مراكز الإيواء ومناطق النزوح، حيث كانت الأمراض المعوية والجلدية والتنفسية تحصد العشرات بسبب نقص المياه النظيفة.
وتوقع جبريل أن تشهد المرحلة المقبلة تحسناً في ملفات كانت متوقفة تماماً: علاج القلب، غسيل الكلى، زراعة الكبد، وعلاج الأورام.
هيثم إبراهيم: من الإسعاف العاجل إلى الإعمار المنهجي
وزير الصحة الاتحادي د. هيثم محمد إبراهيم وضع المشروع في سياقه التاريخي. قال إن مركز الملك سلمان كان السند الأول خلال الحرب، عبر قوافل الإسعافات والأدوية والمعدات التي دخلت في أوقات كانت فيها المطارات والموانئ مغلقة.
الآن، وبعد أن استقرت بعض الجبهات، تنتقل الوزارة من مرحلة الإسعاف العاجل إلى إعادة الإعمار المنهجي.
هيثم كشف عن رقم مهم: وزارة المالية مولت ما بين 70-80% من حملات الوقاية خلال الحرب. هذا التمويل، إضافة إلى دعم استبقاء الكوادر وتسيير القوافل العلاجية، هو ما منع انهيار المنظومة بالكامل.
صوت الولايات: “بدأنا نستعيد الخدمات”
الحديث عن إعادة الإعمار يبقى نظرياً ما لم يصل إلى الولايات المتضررة. لذلك كان لكلمة مدير صحة سنار وممثل الولايات د. إبراهيم العوض وزن خاص.
العوض أكد أن عربات الإسعاف والصرف الصحي التي وصلت من المركز ساهمت مباشرة في صمود الولايات. وأشار إلى أن المركز لم يقف عند الصحة، بل دخل مع الولايات في ملفات المياه والإيواء والدواء.
حديثه عن القيادة كان رمزياً. ذكر الفريق أول عبد الفتاح البرهان الذي “قاد الدولة من الصفر”، وجبريل إبراهيم الذي “قاد المالية في ظروف صعبة”. الرسالة واضحة: هناك قناعة في الولايات بأن المركز بدأ يعود للعمل.
وختم العوض بجملة تلخص الواقع الحالي: “نحن كولايات متأثرة من الحرب بدأنا نستعيد الخدمات الصحية وبالدعم الذي وفرته لنا وزارة المالية”.
إجماع على الدور المحوري للمالية والمركز
وكيل وزارة الصحة د. علي بابكر استخدم تشبيهاً قوياً وصف به دعم المالية: “كعصا موسى”. العبارة تعكس حجم الضغط الذي كان على الوزارة، وكيف أن تدخل المالية في اللحظة الحرجة منع انهيار المستشفيات وهجرة الكوادر.
وفي الجانب السعودي، ثمن بابكر دور مركز الملك سلمان في توفير الإسعافات والأكسجين والفرق العلاجية، مشيراً إلى أن هذا الدعم ساهم في تثبيت الوضع الصحي في الولايات المتضررة.
وزير الحكم الاتحادي محمد كرتكويلا أكد أن الدعومات وصلت بالفعل لكل الولايات، ودعا لمزيد من الإسناد لتثبيت التعافي وضمان وصول الخدمة لكل مواطن.
ما الذي تغير على الأرض؟
خلال الحرب، واجهت وزارة الصحة ثلاثة تحديات متزامنة: تدمير 70% من المستشفيات العاملة في الخرطوم والجزيرة ودارفور، خروج أكثر من 60% من الكوادر من الخدمة بسبب النزوح، وانتشار أمراض مرتبطة بالاكتظاظ ونقص المياه.
الاستجابة كانت عبر ثلاثة مسارات: استبقاء الكوادر بالحوافز، تأمين الإمداد الدوائي عبر الجسر الجوي والبري، وتسيير القوافل العلاجية للمناطق المقطوعة.
مشروع “نحو التعافي الصحي وإعادة الإعمار” يمثل الانتقال للمسار الرابع: إعادة البناء المنهجي. الفرق أن هذه المرة الحديث ليس عن مسكنات، بل عن إعادة تشغيل أقسام كاملة، وإعادة تأهيل بنية تحتية، وإعادة ربط الشبكة الصحية بين الولايات والمركز.
ما بعد الدعم: شروط النجاح
المشروع الحالي لا يحل كل مشاكل القطاع الصحي. 13 مليون دولار لا تكفي لإعادة بناء ما دمرته الحرب. لكنه يمثل إشارة سياسية وإدارية مهمة: الدولة بدأت تنتقل من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي.
نجاح المشروع يتوقف على عاملين: وصول بقية المعدات والعربات دون تأخير، واستمرار وزارة المالية في تمويل التشغيل. فالمستشفى لا يعمل بالأجهزة فقط، بل بالطبيب والممرض والفني والوقود والدواء.
هذا تحقق ذلك، فإن المواطن في سنار، كسلا، نهر النيل، ودارفور سيشعر لأول مرة منذ عامين أن الدولة عادت لتقدم له خدمة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها: العلاج.

