مصطفي محمد احمد يكتب.. الموسوعه العلامة باكاش الذي درس الرئيس اليمني وغيره يستحق وسام الانجاز
الخرطوم| الآن نيوز

صدق من قال أن الخرطوم تقراء ولكن ما كان ذلك ليحدث لولا وجود أساتذة ومعلمين لعبوا دورا كبيرا في رفع التوعية والتعليم ليس في السودان قاطبة بل في إفريقيا والدول العربية
اليوم التقيت بالأستاذ والمربي الجليل محمد أحمد باكاش في صباح هادئ، بالسوق الرئيسي لمدينة بورتسودان ، ومع أول لحظة جلست فيها أمامه ،، شعرت بوزن حضوره، بهدوء يشبه النسيم العابر على صفحة ماء صافية، رجل هادئ الطبع، لين من غير ضعف، حازم من غير غلظة، يجلس أمامك وكأن كل كلمة ينطق بها تحمل سنوات من التجربة والخبرة، وكأنك أمام موسوعة حية من الحكمة لم تجد حظها من التقييم بصورة عامة من الحكومة وادارات التعليم بصورة خاصة،
بدأ يحدثني عن رحلته الطويلة في ميدان التعليم، منذ نعومة أظافره، حين قرر أن تكون المعرفة رسالة، وأن يكون العطاء دون منّة حكايته ، لم تكن مجرد كلمات، بل رحلة عبر صحاري وفيافي شرق السودان، حيث سار لأميال طويلة، حاملًا حقيبته المليئة بالكتب والأمل، يزرع العلم في قلوب الأطفال والشباب، بعيدًا عن الأضواء والمراكز، بعيدًا عن أبواب السلاطين، وعن كل ما يلمع ،
باكاش تحدث عن تلاميذه الذين أصبحوا اليوم قيادات، وكيف أن كل واحد منهم يحمل جزءًا من روحه وتعاليمه. وعندما ذكرت له تلميذه البار، الراحل علي عبد الله صالح، الرئيس اليمني السابق أرتسمت إبتسامة دافئة على وجهه. قال لي بصوت خافت لكنه حاد في وضوحه: “علي عبد الله صالح كان دائمًا يذكرني بالاحترام والتقدير، شعرت حينها أن هذه الكلمات كانت تحمل رسالة أكبر، تحكي عن أثر المعلم الحقيقي، عن القيمة التي لا تعرفها السلطات أو المناصب، عن أثر الإنسان الذي يزرع الخير دون أن ينتظر مقابلًا.
جلست أمام الاستاذ باكاش أراقب تفاصيل وجهه، تلك الخطوط التي تحكي سنوات من العطاء، تلك العيون التي تحمل هدوءًا لم يزعجه الضجيج، ولم تحركه أمواج الطمع أو الغرور. شعرت أن هذا الرجل عاش حياة كاملة من الخدمة والتفاني، أن حياته كانت كلها من أجل الآخرين، وأن أثره تجاوز حدود الجغرافيا، وأن كل من التقى به أو تعلم على يده أصبح يحمل جزءًا من نور معرفته.
لكن ما أدهشني أكثر هو تواضعه الشديد. لم أعرفه أن يسعى للشهرة أو الاعتراف، لم يطرق أبواب المسؤولين، لم يسعى للتمجيد، بل عاش على طرف من الحياة، يقدم دون أن ينتظر شكرًا، يمنح دون أن يبحث عن مقابل. في حضوره شعرت أن الكلمات لا تكفي، وأن التاريخ وحده يمكن أن يسجل عطاءه.
حقًا، بعد كل ما قدمه، حان الوقت لنرد له بعضًا من الجميل. لنقف أمامه باعتراف صادق، ولنقول له: شكراً على كل لحظة قضاها في تعليمنا، على كل حياة ألهمها، على كل أثر تركه في أجيالنا. شعرت وأنا أغادر اللقاء أنني كنت أمام نموذج للإنسان الكامل، الذي يقدم دون مصلحة، ويترك بصمة لا تُمحى، ويثبت أن التعليم رسالة، وأن المعلم هو قلب الأمة وروحها الحقيقية.
لاينكر احد أن الاستاذ محمد احمد باكاش هو منارة تعليمية تستحق الاحتفاء والتكريم فهلا كرم ،،

