مذكرة قانونية بشأن تتبع الأموال في الجرائم الإلكترونية وأثر ذلك على الغير حسن النية والموازنة بين استرداد الحقوق وحماية المعاملات المالية
الخرطوم | الآن نيوز

أدى التطور التقني وانتشار الخدمات المصرفية الإلكترونية والمحافظ الرقمية والعملات المشفرة إلى ظهور أنماط جديدة من الجرائم المالية الإلكترونية، حيث أصبح بالإمكان تحويل الأموال الناتجة عن الاحتيال الإلكتروني أو الاختراقات السيبرانية خلال ثوانٍ إلى حسابات متعددة داخل الدولة أو خارجها. وقد أفرز ذلك إشكالية قانونية دقيقة تتمثل في مدى جواز تتبع الأموال محل الجريمة واستردادها، خاصة إذا انتقلت إلى أشخاص من الغير اكتسبوها بحسن نية ودون علم بمصدرها غير المشروع.
وتثير هذه المسألة تعارضاً بين مصلحتين جديرتين بالحماية:
حماية حق المجني عليه في استرداد أمواله.
حماية استقرار المعاملات وثقة الغير حسن النية في النظام المالي.
وتتناول هذه المذكرة الأساس القانوني لتتبع الأموال الإلكترونية، وحدود الاحتجاج بحسن النية، وآليات تحقيق التوازن بين الحقوق المتعارضة، مع بيان ما استقر عليه العمل المقارن في عدد من الدول.
أولاً: مفهوم تتبع الأموال في الجرائم الإلكترونية
يقصد بتتبع الأموال:
الإجراءات القانونية والفنية التي تهدف إلى تحديد مسار الأموال المتحصلة من جريمة إلكترونية منذ خروجها من حيازة المجني عليه وحتى وصولها إلى المستفيد النهائي، تمهيداً لتجميدها أو حجزها أو استردادها.
وتشمل الجرائم ذات الصلة:
الاحتيال الإلكتروني.
اختراق الحسابات البنكية.
التصيد الإلكتروني (Phishing).
سرقة بيانات البطاقات المصرفية.
غسل الأموال الإلكترونية.
الاحتيال عبر تطبيقات الدفع والتحويلات الفورية.
جرائم العملات المشفرة.
ثانياً: الأساس القانوني لتتبع الأموال
يقوم تتبع الأموال على عدة مبادئ قانونية أهمها:
1. مبدأ عدم جواز إثراء شخص على حساب الغير دون سبب مشروع
فلا يجوز أن يستفيد أي شخص من مال متحصل من جريمة.
2. قاعدة أن المال محل الجريمة يظل محتفظاً بصفته غير المشروعة
إلى أن تنتقل الملكية إلى شخص حسن النية وفقاً للشروط التي يحددها القانون.
3. سلطة الدولة في المصادرة والاسترداد
تمنح التشريعات الجنائية سلطات للنيابة العامة والمحاكم في:
التجميد المؤقت للحسابات.
الحجز على الأموال.
استرداد الموجودات.
التعاون الدولي في استرداد الأموال.
ثالثاً: الوسائل القانونية لتتبع الأموال الإلكترونية
تشمل الوسائل الآتية:
أ. تتبع التحويلات البنكية
من خلال:
كشوف الحسابات.
سجلات التحويل الإلكتروني.
بيانات المستفيدين.
أوامر الدفع.
ب. تحليل الأدلة الرقمية
مثل:
عناوين الإنترنت (IP).
سجلات الأجهزة.
بيانات التطبيقات المصرفية.
ج. أوامر الإفصاح البنكي
تلتزم المؤسسات المالية بتقديم المعلومات للسلطات المختصة وفقاً للقانون.
د. التعاون الدولي
خصوصاً عند انتقال الأموال عبر الحدود.
ويستند ذلك إلى:
الاتفاقيات الثنائية.
اتفاقيات المساعدة القانونية المتبادلة.
اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية.
اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
رابعاً: إشكالية الغير حسن النية
تعريف الغير حسن النية
هو الشخص الذي تلقى المال أو الحق:
دون علم بمصدره غير المشروع.
مقابل عوض مشروع.
دون اشتراك في الجريمة أو إهمال جسيم.
ويشمل ذلك:
التاجر الذي تلقى ثمن بضاعة.
الدائن الذي استوفى ديناً مستحقاً.
المشتري الذي اشترى مالاً مقابل قيمة حقيقية.
خامساً: أثر انتقال الأموال إلى الغير حسن النية
توجد اتجاهات قانونية مختلفة:
الاتجاه الأول: تغليب حق المجني عليه
يرى أن المال المسروق يظل قابلاً للاسترداد أينما وجد.
ميزة هذا الاتجاه:
حماية الملكية الخاصة.
منع إفلات الجناة من العقاب.
عيوبه:
الإضرار باستقرار المعاملات.
تعريض الأبرياء للخسارة.
الاتجاه الثاني: حماية الغير حسن النية
يرى أن من اكتسب المال بحسن نية ومقابل مشروع يجب حمايته.
ويستند إلى قاعدة:
“استقرار المعاملات أولى بالرعاية من تتبع المال إلى غير نهاية.”
الاتجاه الثالث (الاتجاه الحديث)
وهو الأكثر قبولاً في التشريعات الحديثة، ويقوم على الموازنة بين المصالح المتعارضة.
سادساً: معايير الموازنة بين استرداد الأموال وحماية الغير
يمكن للنيابة العامة تطبيق المعايير الآتية:
1. فحص حسن النية
ومن مؤشرات سوء النية:
تلقي مبالغ كبيرة بصورة غير معتادة.
عدم وجود علاقة مالية سابقة.
سرعة سحب الأموال فور إيداعها.
استخدام حسابات وسيطة متعددة.
2. التحقق من وجود مقابل حقيقي
إذا كان الغير قد دفع مقابلاً حقيقياً فإن مركزه القانوني يكون أقوى.
3. درجة الإهمال
الإهمال الجسيم قد يسقط الحماية القانونية.
4. إمكانية التعويض البديل
قد يرجع المجني عليه على الجاني الأصلي إذا تعذر المساس بحقوق الغير حسن النية.
سابعاً: ما جرى عليه العمل في بعض الدول
1. الولايات المتحدة الأمريكية
تعتمد المحاكم الأمريكية على مبدأ:
Bona Fide Purchaser for Value
أي حماية المشتري حسن النية الذي دفع مقابلاً حقيقياً دون علم بعدم مشروعية المال.
كما تسمح السلطات بتجميد الأموال فور اكتشاف الاحتيال الإلكتروني، إلا أن القضاء يفحص مركز كل مستفيد على حدة.
2. المملكة المتحدة
تستخدم المحاكم أوامر:
Account Freezing Orders
Account Forfeiture Orders
لكنها تمنح الغير حسن النية حق الاعتراض وإثبات مشروعية اكتسابه للأموال.
3. الاتحاد الأوروبي
يكرس مبدأ التوازن بين:
حق الملكية.
مكافحة غسل الأموال.
حماية الثقة المشروعة في المعاملات.
ولا تتم المصادرة إذا ترتب عليها الإضرار غير المتناسب بالغير حسن النية.
4. سنغافورة
تعد من أكثر الأنظمة تطوراً في استرداد الأموال الإلكترونية، حيث تعتمد سياسة:
“التجميد السريع ثم التحقيق اللاحق”
مع توفير ضمانات قضائية للغير حسن النية.
ثامناً: الوضع في القانون السوداني
رغم عدم وجود تنظيم تفصيلي شامل لمسألة تتبع الأموال الإلكترونية، إلا أن الأساس القانوني يمكن استخلاصه من:
قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991.
قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
القواعد العامة في الإثبات والملكية والإثراء بلا سبب.
وتملك النيابة العامة سلطة:
التحفظ على الأموال.
مخاطبة المؤسسات المالية.
طلب المساعدة القضائية الدولية.
اتخاذ إجراءات الاسترداد.
غير أن الحاجة ما زالت قائمة إلى تشريع خاص ينظم:
التحويلات الإلكترونية الخاطئة.
تتبع الأموال الرقمية.
حماية الغير حسن النية.
إجراءات التجميد العاجل.
المسؤولية المدنية للمؤسسات المالية.
تاسعاً: الرأي القانوني الراجح
يُرجح الأخذ بالنظام الوسطي الذي يقوم على المبادئ الآتية:
الأصل هو رد المال إلى صاحبه الشرعي.
لا يُضار الغير حسن النية الذي اكتسب المال بعوض مشروع.
عبء إثبات سوء النية يقع على من يدعيه.
يجوز تعويض المجني عليه من الجاني الأصلي أو من نظم التأمين المصرفي.
تخضع كل حالة لسلطة المحكمة التقديرية وفق ظروفها.
عاشراً: التوصيات
سن تشريع خاص بالجرائم المالية الإلكترونية.
إنشاء وحدة وطنية لتتبع الأصول الرقمية.
منح النيابة سلطة التجميد الفوري للأموال المشبوهة.
وضع نظام لتعويض ضحايا الاحتيال الإلكتروني.
تنظيم مركز الغير حسن النية بنصوص واضحة.
تعزيز التعاون الدولي في استرداد الموجودات.
إلزام المصارف بتطبيق أنظمة الإنذار المبكر للمعاملات المشبوهة.
خاتمة
إن نجاح العدالة الجنائية في الجرائم الإلكترونية لا يتحقق بمجرد ملاحقة الجاني، وإنما يمتد إلى استرداد الأموال محل الجريمة دون الإضرار بالأشخاص حسني النية أو تقويض الثقة في المعاملات المالية. ومن ثم فإن الموازنة الدقيقة بين حق المجني عليه واستقرار المعاملات تمثل حجر الزاوية في السياسة التشريعية الحديثة لمكافحة الجرائم الإلكترونية.
أبشر دلدوم
وكيل نيابة جرائم المعلوماتية/ ولاية النيل الابيض

