كتاب رائ وعالمية

محمد الأمين يكتب.. من صرخة “التيويتا” إلى همس الإجراءات “وزيرين ووزارة واحدة”

الخرطوم| الآن نيوز

يبدو أن المنصب الوزاري كان حجابًا كثيفًا حجب عن وزير المعادن السابق، السيد الرفيق محمد بشير أبو نمو، حكمته النضالية الفذة. فما إن غادر كرسيه الوثير حتى تجلّت له الأسرار الاستراتيجية، وأطلق “صيحته الأخيرة” لإنقاذ الفاشر بخطة عبقرية لا تخطر على بال أعتى القادة العسكريين: أطلقوا عنان شباب “يركّبون التيوتا فوق التيوتا”، زودوهم ببعض الوقود والمؤن، ودعوهم يشقون الصحراء. خطة “انتحارية” كما وصفها، ونحن نتفق مع التسمية وإن اختلفنا في النوايا.

 

لا يسعنا إلا أن نقف منبهرين أمام هذا الطرح الذي يرى في الحرب لعبة سيارات صحراوية، متناسيًا أن الوزارة التي كان يقودها كانت هي نفسها مسرحًا لفوضى من نوع آخر. فبينما يحلم الوزير السابق بالكتائب المقاتلة، كان الواقع تحت إمرته يتحدث عن كتائب من نوع آخر: كتائب تهريب المعادن التي نشطت بشكل غير مسبوق، وكتائب المخالفات البيئية التي تركت جروحًا غائرة في جسد الأرض، نتيجة لانعدام الرقابة وتفشي الفساد. لعل الخطة العسكرية الجديدة هي بنفس جودة الرقابة البيئية التي فرضها في عهده؛ كلاهما صيحة في فراغ!.

 

إن هذه الدعوة العاطفية لا تمثل إضافة بناءة للمجهود الحربي، بل هي خصم مباشر منه. فهي تشكك في قيادة المعركة، وتستخف بتعقيداتها، وتقدم حلولًا تبسيطية ساذجة تنم عن انفصال كامل عن الواقع. فمن فشل في تأمين الثروة المعدنية من النهب والتهريب، كيف له أن يقدم خطة لتأمين مدينة بأكملها؟ إنها السخرية في أعتى صورها!.

 

وعلى الضفة الأخرى من النهر، وفي نفس الوزارة التي خلفها أبو نمو خرابًا، يجلس الوزير الحالي، السيد الرفيق نور الدائم طه، لا ليطلق الصيحات على فيسبوك، بل ليعقد الاجتماعات الهادئة والفاعلة. فبدلًا من الحديث عن “التيوتا فوق التيوتا”، يجتمع مع مدير الجمارك، وشرطة التعدين، ولجنة مكافحة التهريب. لا نسمع ضجيجًا، بل نرى أفعالًا. الرجل لا يسعى لركوب الموجة، بل يسعى لتقويم نظام انهار، وتجفيف منابع الفساد التي رويت في عهد سلفه.

 

هنا تكمن المقارنة الحقيقية، ليست بين وزيرين، بل بين عقليتين: عقلية الخطاب الشعبوي الفارغ، وعقلية العمل المؤسسي الرصين. عقلية تركت الحبل على الغارب لنهب الثروات وتجاهلت عمدًا الكوارث والمخالفات البيئية التي تسمم الأرض والمياه، وعقلية أخرى تحاول لملمة ما يمكن إنقاذه، وتضع اللبنات الأولى للشفافية والرقابة. إن حماية الثروات من التهريب، ومحاسبة المتسببين في الانتهاكات البيئية، هي معركة لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، بل هي أساس صمود الدولة.

 

في النهاية، ربما كان على الوزير السابق أن يوجه “صيحته” نحو مكافحة الفساد الذي استشرى في وزارته، أو نحو وقف المخالفات البيئية الجسيمة التي كانت تجري تحت سمعه وبصره. فقبل أن ننقذ الفاشر بكتائب “انتحارية”، كان علينا أن ننقذ وزارة المعادن من نفسها. يبدو أن السودان اليوم بحاجة إلى مسؤولين يعملون بصمت لإصلاح الخراب، أكثر من حاجته لجنرالات الكراسي المتحركة.

 

مع كل التحايا من السيد الرفيق الصحفي: محمد الأمين عبدالعزيز؛ لكلامها كرفاق.

زر الذهاب إلى الأعلى