محمد الأمين يكتب.. بين وطنية الميدان وخناجر الطابور الخامس “قراءة في خطاب القائد مناوي ومعركة الوعي الوطني”
الخرطوم| الآن نيوز

في خضم المعركة الوجودية التي يخوضها السودان ضد مليشيا الدعم السريع المتمردة، وفي وقت تتلاحم فيه بنادق الجيش والقوات المشتركة مع بقية المقاتلين؛ من كل اتجاهات الشعوب السودانية على الأرض لرسم مستقبل البلاد، تنشط أقلام في الظل، لا تستهدف العدو الواضح، بل تسدد سهامها المسمومة نحو ظهر الحلفاء، في محاولة يائسة لشق الصف وزرع بذور الفتنة. وما التصريحات الأخيرة للزميلات رشان أوشي وعائشة الماجدي ضد حاكم إقليم دارفور، القائد أركو مناوي، إلا نموذج صارخ لهذا النهج التخريبي الذي يخدم، عن قصد أو عن جهل، أجندة المليشيا.
إن الهجوم المنسق الذي شنته الصحيفتان على مناوي، ووصف خطابه بـ(النزق)و(الانفصالي)، يكشف عن قصر نظر سياسي خطير، وعن عجز عن فهم لغة السياسة في أوقات الحرب. فالسياسة، كما يعلم الممارسون، ليست مجرد بيانات منمقة، بل هي فن الممكن، وهي أداة ضغط لتحقيق المصالح العليا للوطن. وعندما يتحدث مناوي بنبرة حادة عن معاناة أهلنا في الفاشر المحاصرة، وعن “جغرافيتنا وشعبنا”، فهو لا يؤسس لدولة داخل الدولة كما تزعم الماجدي بسطحية، بل يضع الجرح الدامي تحت مبضع التشريح الوطني، صارخاً في وجه الجميع: “لا يكتمل نصر في الخرطوم والجزيرة ما دامت الفاشر تنزف”!.
هذا هو المنطق الذي يغيب عن عقول اعتادت اختزال السودان في عاصمته وولاياته الوسطى، وهو ما أشار إليه بوضوح الكاتب عادل إبراهيم حين ذكر أن من ينعم بالأمان في بورتسودان والخرطوم المحررة يجب أن يشعر بوجع الفاشر وبابنوسة. إن حديث مناوي ليس خطاباً انفصالياً، بل هو خطاب “وحدوي” في جوهره، لأنه يرفض فكرة أن تُترك أجزاء من الوطن لقوى الشر واتباعه بينما تحتفل أجزاء أخرى بانتصاراتها. إنه يذكر الدولة المركزية بمسؤولياتها تجاه كل شبر من تراب السودان، وهو دور لا يقوم به إلا رجل دولة يشعر بنبض شعبه.
*تضحيات لا ينكرها إلا جاحد*
من المثير للسخرية أن تتهم أوشي والماجدي مناوي بـ”مغازلة الجنجويد” أو “ابتزاز الدولة”، متناسيتين أن قوات حركة / جيش تحرير السودان، بقيادة الفل مارشال، كانت في طليعة القوات التي قاتلت جنباً إلى جنب مع الجيش السوداني لتحرير الخرطوم والجزيرة وسنجة.. الخ من بقية المحاور كافة. الدماء التي سالت من رفاقنا في شوارع أم درمان وسهول الجزيرة هي أبلغ رد على هذه الافتراءات. لم ينتظر مناوي حتى تصل المعركة إلى دارفور ليقرر الانحياز للوطن؛ بل انحاز منذ اللحظة الأولى، مدركاً أن المعركة واحدة والعدو واحد.
إن محاولة تصوير مساهماته على أنها مجرد “مزايدات” لتحقيق “طموحات ذاتية”، كما تدعي أوشي، هو تجريد الرفاق المقاتلين من غطائهم المعنوي بالفعل، وأيضاً نكران للجميل وصفاقة لا تليق بمن يدعي حرصه على الوطن. هؤلاء المقاتلون الذين تركوا ديارهم للدفاع عن العاصمة والوسط، لا يمكن اليوم اتهام قائدهم بالخيانة لمجرد أنه يطالب بتسريع وتيرة تحرير مناطقهم. إن تباطؤ العمليات العسكرية الذي تتحدث عنه أوشي، والذي تعزوه بشكل غريب إلى “عقيدة الجيش” و”المسيرات الإماراتية”، هو بالضبط ما يثير حفيظة أي قائد ميداني يرى أهله يُحصدون يومياً. فهل المطلوب من مناوي أن يصمت ويشاهد الفاشر تسقط إرضاءً لأصوات الطابور الخامس؟!
*انتصار الفاشر: بداية النهاية للمليشيا وأبواقها*
تأتي هذه الحملة الممنهجة ضد القائد مناوي في وقت حاسم ومفصلي. فبالأمس القريب، شهد السودان بأكمله بشرى انطلاق العملية العسكرية الكبرى لفك الحصار عن الفاشر، وبدء تحرير دارفور بالكامل. إن الانتصار الساحق الذي حققته القوات المسلحة والقوات المشتركة في معارك الأمس، رغم بعض الهنات؛ هذه العملية لم يكن مجرد نصر عسكري، بل كان صفعة مدوية على وجوه المشككين والمُخذّلين.
هذا الانتصار يمثل نقطة تحول استراتيجية ستحدد موازين القوى في الفترة القادمة. فهو يؤكد على:
وحدة الهدف والقيادة: التنسيق العالي بين الجيش والقوات المشتركة يثبت أن الخلافات التي يراهن عليها العدو وأبواقه هي محض أوهام.
القدرة على الحسم: يبعث هذا النصر والانسحاب رسالة قوية للمليشيا بأن أيامها في دارفور أصبحت معدودة، وأن قدرتها على المناورة والمساومة قد تلاشت.
*فضح الطابور الخامس*: مع كل تقدم يحرزه الأبطال في الميدان، ينكشف زيف الادعاءات التي تروج لها أقلام الفتنة. فها هو الجيش وحلفاؤه انطلقوا لتحرير دارفور، وهو ما كانت تشكك فيه هذه الأقلام وتستخدمه ذريعة لمهاجمتنا في الحركات المسلحة.
*خاتمة: المعركة ضد الطابور الخامس لا تقل ضراوة*
إن معركة السودان اليوم هي معركة ذات جبهتين: جبهة السلاح ضد مليشيا التمرد، وجبهة الوعي ضد الطابور الخامس الذي ينخر في جسد الوطن. إن تصريحات رشان أوشي وعائشة الماجدي ليست مجرد “آراء” صحفية، بل هي جزء من حرب نفسية تهدف إلى ضرب معنويات الشعب وتفكيك تحالفاته الصلبة.
لقد اختارت الحركة الانحياز الكامل لمؤسسات الدولة السودانية ووحدة أراضيها وقدموا في سبيل ذلك تضحيات جساماً يشهد لها القاصي والداني. أما دورها في تقويم وبناء الدولة، فهو لا يقل أهمية عن دورها العسكري، فصوتها النقدي اللاذع أحياناً هو جرس إنذار ضروري لإبقاء البوصلة موجهة نحو الهدف الأسمى: سودان واحد، آمن، ومستقر، ومحرر بالكامل. على أصوات الفتنة أن تخرس، فالرصاص الذي يدوي الآن في مشارف الفاشر يكتب الفصل الأخير من حكاية التمرد، ويرسم ملامح وطن لا مكان فيه للخونة أو للمترددين.

