اَخبار

محمد احمد شبشة..حرب الظل والنار: قراءة ميدانية في خرائط الصراع الروسي الأوكراني

الخرطوم| الآن نيوز

إذا كان المقال السابق قد كشف عن التصدعات في الشراكة عبر الأطلسي واصطراع الإرادات بين الإدارات المنتخبة وما بات يُعرف بـ”حلف الراغبين”، فإن هذا المقال ينتقل من المعادلة النظرية إلى الجغرافيا المتغيرة، حيث تترجم السياسات الكبرى إلى معارك وخرائط ومواقع مشتعلة. فالحرب الروسية الأوكرانية لم تعد فقط نزاعًا سيادياً بين دولتين، بل أصبحت حلبة لتجريب الأدوات الاستخباراتية الجديدة، وتثبيت التوازنات القديمة، ورسم ملامح ما بعد الناتو، خصوصًا في ظل تصدعات القرار الغربي.

 

هنا، في هذا الميدان المتشظي، تتداخل حرب النار — وهي المعارك التقليدية الدامية — مع “حرب الظل” التي تشمل التجسس، التخريب، العمليات السيبرانية، وضرب سلاسل الإمداد العسكرية والطاقوية. وبينما يُعلن شيء على لسان السياسيين، يُنفذ شيء آخر على يد خبراء الخفاء. ولفهم كيف تُدار الحرب فعلاً، لا يكفي النظر إلى الجبهات، بل لا بد من تتبع أثر الأقدام الخفية في مواقع الصمت والتعتيم.

 

إن تغير المواقف السياسية تجاه الحرب مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتحولات التي شهدتها الإدارات السياسية في عدد من دول أوروبا وأمريكا. ففي أوروبا، شهدت الساحة صعود التيارات اليمينية واليمينية المتطرفة في بعض الدول، بينما شهدت بريطانيا صعود حزب العمال كقوة يسارية جديدة. وفي الولايات المتحدة، عاد ترامب إلى المشهد السياسي، مما أعاد تشكيل المواقف الأمريكية تجاه الصراع. رغم ذلك، لا تزال “وحدات حلف الراغبين” تلعب دورًا حيويًا في بلورة هذه المواقف، محافظة على استمرارية المشاريع الاستخباراتية والسياسات الميدانية التي تتجاوز التحولات الرسمية، وتؤثر بشكل مباشر في مسار الحرب.

 

تتجلى هذه الديناميات بوضوح في الجبهات المختلفة للحرب. في الجنوب الشرقي الأوكراني، تتحول مدن مثل دونيتسك ولوهانسك إلى ساحات معارك ضارية تستخدم فيها تقنيات متطورة، مدعومة بالمعلومات الاستخباراتية التي تأتي من خلف الستار، ما يجعل من هذه الجبهات نقاط اختبار لتقنيات الحرب الحديثة. أما في الجنوب، فقد اكتسبت السيطرة على موانئ البحر الأسود أهمية استراتيجية قصوى، حيث تدخل العمليات البحرية والتجسسية واللوجستية في تنافس مباشر لتأمين خطوط الإمداد وحماية السفن المدنية وسط توتر متصاعد مع دول البلطيق وفنلندا.

 

وفي الشرق، تظل خاركيف منطقة ضغط عسكري وسياسي متقلب، حيث تتشابك القوى الأوكرانية والروسية مع تدفقات المعلومات الاستخباراتية الغربية، في حين تظل الحدود مع بيلاروسيا منطقة توتر دائمة، تزيد من تعقيد موازين القوى على الأرض.

 

أما حرب الظل، فقد أظهرت قدرتها على التأثير العميق في المشهد الاستراتيجي من خلال استهداف البنية التحتية الحيوية، خاصة خطوط الغاز. تفجير “نورد ستريم” الذي يُعتقد أن جهات استخباراتية غربية كانت وراءه، شكل نقطة فاصلة حاسمة في إعادة تشكيل الموقف الألماني من الحرب. فقد أدت هذه الضربة إلى قطع إمدادات الغاز الروسي، مسببة أزمة طاقة خانقة أثرت على الصناعات الكبرى ورفعت من كلفة الإنتاج، ما دفع الحكومة الألمانية إلى تعديل سياستها الدفاعية بشكل جذري، برفع ميزانية التسلح والسماح للمشاركة الخارجية للجيش، إضافة إلى تعزيز صادرات الأسلحة لتعويض الخسائر الاقتصادية.

 

تأثرت أيضاً سياسات عدد من دول الاتحاد الأوروبي بالتغيرات السياسية الداخلية التي شهدتها، حيث صعدت أحزاب يمينية متشددة في دول مثل المجر وإيطاليا، مما أدى إلى مواقف متباينة من استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا. في المقابل، حققت بولندا مكاسب استراتيجية واقتصادية، حيث أصبحت قاعدة لوجستية واستخباراتية رئيسية للناتو، مستفيدة من استثمارات ضخمة وزيادة نفوذها الإقليمي. أما تركيا، فتمكنت من توظيف موقعها الجغرافي ودورها الوسيط لتعزيز اقتصادها، من خلال السيطرة على مرور السفن وتوسيع علاقاتها التجارية مع الأطراف المتصارعة. وفي الجهة الأخرى من العالم، استفادت الصين من استمرار الحرب بتعزيز تحالفها الاستراتيجي مع روسيا، وتوسيع تعاونها الاقتصادي والتقني، مستفيدة من انقسام الغرب وفرض العقوبات.

 

بريطانيا، التي شهدت صعود حزب العمال إلى السلطة، واجهت انتقادات شديدة بسبب اتفاقيات اعتُبرت تراجعًا عن مكاسب “بريكست” وعودة غير مباشرة إلى آليات الاتحاد الأوروبي، مما يعكس التوتر المستمر بين الحفاظ على السيادة الوطنية والمشاركة في قرارات تحالفات عابرة للحدود. في الوقت ذاته، لا تزال “وحدات حلف الراغبين” تمارس نفوذها في رسم سياسة الحرب، مستمرة في تنفيذ مشروعات استخباراتية وسياسات عسكرية تعود إلى حقب سابقة، متجاوزة في بعض الأحيان التغيرات السياسية الرسمية.

 

هذا المشهد المعقد يعكس كيف أن الحرب الروسية الأوكرانية ليست مجرد نزاع إقليمي، بل اختبار حقيقي لنموذج جديد من الحروب متعددة الأبعاد، حيث تتشابك السياسات المعلنة مع سياسات الخفاء، وتتداخل النار بالظل، وتتفاعل الجبهات العسكرية مع ساحات التجسس والاقتصاد والحرب الإعلامية.

زر الذهاب إلى الأعلى