كتاب رائ وعالمية

مجاهد عبدالله يكتب.. قصة شبكة الصحفيين السودانيين في صورة وصوت..؟! 

الخرطوم | الآن نيوز

قبل خمسة عشر عاماً، كنت أعمل في صحيفة “الوان” وكنت (احرر) صفحة “منوعات سياسية” اسبوعية.. كانت تلك الصفحة مساحة أحاول من خلالها تناول الأحداث السياسية بقوالب صحفية مختلفة، ومن بين الأفكار التحريرية التي ابتكرتها آنذاك زاوية وضعتها في أقصى يسار الصفحة، تمتد من أعلاها إلى أسفلها في تصميم الماكيت، وأطلقت عليها اسم «صورة وصوت»؛ أعلّق فيها على الصور بلغة “ناقدة” واحيانا “ساخرة”.

عاد إلى ذهني ذلك كله عندما أرسل لي الزميل والصديق العزيز خالد أحمد صورتين قديمتين.. في الأولى يظهر معي خالد أحمد والزميلة إيمان فضل السيد إلى جانب الأستاذ علي الريح السنهوري، أمين سر حزب البعث العربي الاشتراكي.. أما الثانية فتجمعنا نحن الثلاثة مع الأستاذة جلاء إسماعيل الأزهري، رئيسة الحزب الاتحادي الموحد.

لم تكن تلك الصور مجرد لقطات عابرة وانما في اعتقادي تمثل توثيقاً لمرحلة مهمة من تاريخ شبكة الصحفيين السودانيين.. ففي ذلك الوقت كنا نحن الثلاثة أعضاء في سكرتارية الشبكة، وكان نظام المؤتمر الوطني البائد يمارس تضييقاً شديداً على الصحافة.. مصادرات متكررة للصحف، واعتقالات طالت عدداً من الصحفيين، ومنع آخرين من الكتابة. كان ذلك في عام 2012، حين قررت الشبكة أن تنتقل إلى مرحلة التصعيد في مواجهة تلك السياسات القمعية.

بدأنا أولى خطوات التصعيد بلقاء قيادات القوى السياسية المعارضة، لإطلاعهم على ما يجري في الوسط الصحفي ومناقشة سبل التحرك. وقد نجحنا نجاحاً كبيراً في هذه المهمة، إذ التقينا بمعظم قيادات الأحزاب السياسية في البلاد فكان ان” التقينا” بالدكتور حسن الترابي، الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي، والأستاذ محمد إبراهيم نقد، السكرتير العام للحزب الشيوعي، والسيد الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة القومي، رحمهم الله جميعاً.

بعد ذلك انتقلنا إلى خطوة أخرى، تمثلت في تنظيم ندوات داخل دور الصحف.. وحين شعرنا بأن الوسط الصحفي أصبح مهيأً للتحرك، قررنا الخروج إلى الشارع، بتنظيم وقفات احتجاجية أمام مبنى المجلس القومي للصحافة والمطبوعات.. وقد كان لذلك تأثير ملحوظ على النظام آنذاك، لأن شبكة الصحفيين كانت في ذلك الوقت قد أصبحت المظلة التي يلتف حولها معظم الصحفيين السودانيين، حتى بدت كأنها النقابة الحقيقية للصحفيين، في مقابل اتحاد الصحفيين السودانيين الذي كان تابعاً للحكومة ويترأسه حينها الدكتور محي الدين تيتاوي.

منذ تأسيسها في عام 2008 وحتى تاريخ التقاط هذه الصور، كانت الشبكة تمثل صوتاً جامعاً للصحفيين، واستطاعت أن تسحب البساط من تحت اتحاد الصحفيين الرسمي.. فكل دعوة تصدر عنها لأي نشاط كانت تجد استجابة واسعة من الوسط الصحفي.

لكن، وللأسف الشديد، لم يمض وقت طويل بعد تلك المرحلة حتى بدأت الشبكة تتعرض لاختراقات من الأجهزة الأمنية للنظام، ثم ما لبثت أن اختُطفت في تقديري بواسطة مجموعة تحوم حولها علامات استفهام كثيرة..؟؟؟!.

قد يسأل سائل.. كيف يمكن القول إن الشبكة قد اختُرقت واختُطفت، وهي نفسها التي كانت من مؤسسي تجمع المهنيين ولعبت دوراً مهماً في حراك ثورة ديسمبر؟ والإجابة، في تقديري، أن الحالة الثورية كثيراً ما تبعث الحياة في أجسام كانت خاملة أو شبه غائبة.. فقد ظهرت في تلك الفترة أجسام مهنية لم تكن موجودة أصلاً في الساحة، وتحركت في اتجاه رياح الثورة.. فكيف لا تتحرك شبكة لها تاريخ سابق من التحرك في الشارع.

ثم إن المعروف أيضاً أن مدير جهاز الأمن والمخابرات آنذاك، المهندس صلاح قوش، كان يعمل على إسقاط النظام من الداخل، وكان من مقتضيات ذلك تحريك مصادره داخل الأحزاب السياسية والتنظيمات المهنية.. وقد حدث ذلك بالفعل.

وأذكر هنا واقعة مهمة.. فبعد حراك سبتمبر 2013، اتصلت ببعض من كنت أثق بهم داخل سكرتارية الشبكة، وهم الزملاء خالد أحمد، حسين سعد، وعادل كلر، ودعوتهم إلى تناول صحن من «البليلة» في شارع المك نمر، عند تلك السيدة المعروفة لدى معظم الصحفيين بالقرب من السفارة النيجيرية.

هناك فتحت معهم حديثاً مدعوماً بما لدي من مستندات، وقلت لهم بوضوح.. إن شبكة الصحفيين قد تعرضت للاختراق، وهذه هي الأدلة. وكان رأيي أن معالجة الأمر ليست مستحيلة، بل هي في غاية البساطة.. عقد جمعية عمومية حقيقية يُدعى إليها جميع الصحفيين، يتم خلالها انتخاب سكرتارية جديدة. فذلك وحده كفيل بتنقية الشبكة وإخراج أي مصادر أو عناصر دخيلة..؟!.

دعمت هذا الرأي بما تنص عليه لائحة الشبكة، التي تنص على عقد جمعية عمومية كل عامين.. فقد انعقدت الجمعية الأولى عام 2008، والثانية عام 2010، وكان من المفترض أن تنعقد الثالثة في عام 2012.. لكننا كنا وقتها في خواتيم عام 2013، دون أن تُعقد تلك الجمعية.

كان اقتراحي في تقديري منطقياً ومبرراً، لكن الزملاء لم يتجاوبوا معه.. وعندها قلت لهم بوضوح.. إنني لا أستطيع أن أواصل العمل داخل جسم مخترق.. ومنذ تلك اللحظة فارقت شبكة الصحفيين السودانيين، بعد خمس سنوات قضيتها في لجنتها التنفيذية، بدأت في عام 2008 وانتهت في خواتيم عام 2013.

ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم السبت 14 مارس 2026 لم تنعقد جمعية عمومية حقيقية للشبكة. فآخر اجتماع فعلي كان في عام 2012 بمقر «طيبة برس». أما الاجتماعات التي عُقدت بعد ذلك فكنا نسميها «اجتماعات موسعة»، وهي بطبيعتها لا يُدعى إليها جميع الصحفيين، بل تُقتصر الدعوة فيها على فئة محددة.

كان البعض يبرر ذلك بالظروف الأمنية، وبأن الشبكة كانت مستهدفة من جهاز الأمن، وبالتالي لا تستطيع عقد جمعية عمومية.. غير أنني كنت أرى أن هناك أماكن كثيرة كان يمكن أن تُعقد فيها الجمعية، لو كانت الإرادة موجودة.. لكن يبدو أن نية الاختطاف كانت مبيتة منذ البداية، وهو ما التقى في تقديري مع “مصالح”..! المصادر الأمنية.

فحين يُختطف جسم مهني جامع، يتحول تدريجياً من كيان يمثل الجميع إلى كيان يمثل مجموعة صغيرة منهم فقط.. وحين يحدث ذلك، يفقد تأثيره وفاعليته.. وهذا هو ما حدث بالفعل لشبكة الصحفيين السودانيين.. إذ بدأ الصحفيون شيئاً فشيئاً ينفضّون من حولها ، حتى تراجع بريقها وحضورها.

وحتى هذه اللحظة، تبدو شبكة الصحفيين السودانيين بعيدة عن الوسط الصحفي الذي ولدت من أجله.. وما تزال المجموعة التي اختطفتها لا تريد أن تتركها تعود إلى أصحابها الحقيقيين..! وهم “جموع” الصحفيين السودانيين.

زر الذهاب إلى الأعلى