كتاب رائ وعالمية

كلمات واجبة.. مي علي ادم تكتب.. رصاصة في “سد المال”: عندما تدفع الأنثى حياتها ثمناً لكلمة “لا”

الخرطوم|الآن نيوز

تعالت الزغاريد في “سد المال”، فقطعها هو برصاصة في الرأس. سكن الصمت البيت. تجمدت الأيادي في الهواء، وتسمرت العيون على العروس الممددة، وسقطت كوبايات العصير من أيدي الصبايا قبل أن تصل للشفاه. للحظة لم يفهم أحد ما حدث، ثم انفجر الصراخ. تبدلت رائحة العطور بالدم، وتبدلت الزغاريد بالنواح. كان الكل يستعد. تجمع الأهل والجيران والأصدقاء منذ الصباح، النساء بالثياب الزاهية والرجال بالجلاليب البيضاء، والأطفال يركضون بين الصحون المليئة بالحلوى. كان يوماً للفرح المؤجل، يوماً انتظروه سنيناً ليزفوا فيه “مهيرة” إلى بيتها الجديد. بيد أن هذا اليوم، دون أن يدروا، كان موعدهم الأخير معها. كانوا يضحكون ويأكلون ويصورون، وكأن القدر جمعهم لا ليباركوا، بل ليلقوا النظرة الأخيرة على عروسٍ لم تكتمل زينتها. حدث ذلك في الدروشاب، داخل بيت أسرتها، حيث كانت مهيرة تستعد لعمر جديد مع رجل اختارته بإرادتها. في نفس اللحظة دخل ابن خالتها، الرجل الذي قالت له “لا” من قبل. لا اريدك زوجا لي دخل منزل اسرتها لم يناقش، لم يعاتب، رفع مسدسه وأطلق رصاصة واحدة أنهت العمر والحلم معاً. قتلها لأنها رفضت أن تكون له، ثم هرب. أيام فقط وسقط في حجر العسل بنهر النيل، فالقانون موجود ويقتص من المجرم، لكن بعد أن ترك بيتاً كان يزغرد فصار يبكي، وأماً كانت تعد الحناء فصارت تعد الكفن. هذه لم تكن جريمة غضب لحظي، بل جريمة عقلية ترى أن الأنثى إذا قالت “لا” فقد حكمت على نفسها بالإعدام. والمؤلم أن المشهد تكرر قبلها بسنوات، لكن بعقابٍ أشد من الموت. رجل أحب فتاة ورفضته، فتزوجت غيره وأنجبت طفلاً. لم يحتمل أن يراها أماً لطفل من رجل آخر، فحمل سلاحه الرسمي، كان حرساً سابقاً للواء، واقتحم بيت زوجها. أفرغ رصاصه في صدر الزوج حتى سقط ميتاً، ثم وجه سلاحه نحو طفلها ذي العامين فقتله بدم بارد. تركها هي حية. لم يقتلها بالرصاص، بل قتلها ألف مرة وهي ترى زوجها وطفلها يموتان أمام عينيها. حكم عليها أن تعيش بقية عمرها في قبر مفتوح، لأنها قالت “لا” يوماً ما. من موية النار إلى الكلاشنكوف، الأداة تغيرت لكن العقلية واحدة. بالأمس كانت زجاجة الحمض الحارق هي توقيع العاشق المرفوض، تُسكب على وجه الفتاة فتُمحى ملامحها وتُدفن وهي حية، برسالة واضحة: “إن لم تكوني لي، فلن تكوني لأحد”. اليوم صرنا لا نكتفي بالتشويه، صرنا نمحو الحياة كلها بالرصاص، أو نتركها جحيماً لا يُطاق. القاسم المشترك بين الدروشاب وبيت الزوج المقتول وزجاجات موية النار هو قانون واحد دموي: “إما لي، أو للقبر”. قانون تكتبه عقلية التملك التي تتربى على أن أحبها = أمتلكها، فيرى رفضها خيانة وسرقة، ويرى كرامته معلقة على قرار امرأة. ويسند هذا القانون مجتمع يصفق للقاتل سراً حين يبرر الولد انقهر، ويشارك في الجريمة حين يلوم الضحية كان ترضى بيه وتسترو. وتكتمل أركان الجريمة حين ننتظر القانون ليقتص بعد وقوعها، بدل أن نربي وعياً يمنعها من أصلها. فالقانون موجود ويقتص، لكن القبض على القاتل لا يعيد مهيرة، ولا يمسح مشهد الطفل المقتول من عين أمه. “لا” ليست جريمة. القتل هو الجريمة. “لا” حق كفله لها الدين قبل القانون، لا يحتاج تبريراً ولا اعتذاراً. “لا” كلمة من حرفين، لكنها عند البعض أثقل من الرصاص. لأن الرصاص يقتل الجسد مرة، ورفض “لا” يقتل مجتمعاً كاملاً كل يوم. العار ليس في رفض الأنثى، العار في رجل يظن أن رجولته تُقاس بالقدرة على الضغط على الزناد بدل القدرة على تقبل الرفض. إلى متى يتحول “سد المال” إلى “سد الروح”؟ إلى متى تبقى امرأة محكومة بالموت البطيء لأنها اختارت قلبها؟ إلى متى نواصل دفن بناتنا بفساتين الزفاف أو دفن أرواحهن وهن أحياء؟ أوقفوا تصفيقكم الخفي للقاتل. علموا أولادكم أن من تحبها، تتمنى لها الحياة، حتى لو كانت الحياة مع غيرك. كل رصاصة أُطلقت على “لا”، هي رصاصة في قلب هذا الوطن. ودفنها لا يكون بالتراب، بل بالوعي.

زر الذهاب إلى الأعلى