كتاب رائ وعالمية

كلمات واجبة مي علي ادم تكتب.. “تصريحاتنا” إحداثيات للعدو  

الخرطوم | الآن نيوز

الحمد لله الذي سلّم الأرواح. مسيرات العدو التي ضربت مطار الخرطوم الدولي أمس لم تحصد أرواحاً، لكنها حصدت وهماً كبيراً كنا نعيشه: وهم أن التصريحات تخلق واقعاً. المسيرات لم تضرب المطار صدفة. ضربته لأنه “بوابة العالم” كما نسميه، ولأن المسؤولين حولوه في الشهور الماضية إلى مادة دعائية يومية: “المطار يستقبل”، “الخطوط الفلانية عادت”، “الحياة طبيعية”، “الوزارات عادت”، “السفارات تفتح”. وآخرها تصريح وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، الأستاذ الاعيسر، الذي قال إن المطار “سوف يعود للعمل قريباً”. كأننا نصرخ في أذن العدو: “تعال.. هذا هو قلبنا النابض، اضربه”. وهذه ليست المرة الأولى التي يدفع فيها السودان ثمن “خبر”. قبل سنوات،

نشرت صحيفة “رأي الشعب” التابعة لحزب المؤتمر الشعبي خبراً يفيد بأن الحرس الثوري الإيراني أمّد مصنع اليرموك للتصنيع الحربي جنوب الخرطوم بمواد لصالح حركة حماس الفلسطينية. النتيجة؟ لم تمضِ فترة حتى ضُرب مصنع اليرموك ودُمر بالكامل. المعلومة التي نُشرت بحبر، مُحيت بصاروخ. يومها تعلمنا أن في زمن الاستهداف، الخبر لا ينقل الحقيقة فقط، بل يصنع الهدف. واليوم نكرر نفس الخطأ، لكن مع المطار. كأننا لم نتعلم من حريق اليرموك. في زمن الحرب، الخبر ليس خبراً فقط. الخبر هدف.

كل مسؤول يخرج ليعلن عودة مرفق حيوي للعمل دون تأمين كامل، إنما يرسم للعدو خريطة طريق. العدو الذي يعجز عن كسرك عسكرياً، يلجأ لكسر معنوياتك عبر ضرب رمزية عودتك للحياة. مطار الخرطوم ليس مدرجاً وطائرات. هو رمز سيادة، وشهادة ميلاد تقول “الدولة عادت”. لذلك استهدافه ليس عسكرياً فقط، بل نفسي وإعلامي.

والعدو وجد في تصريحاتنا الرسمية “إحداثيات مجانية” لبث الرعب ومنع تطبيع الحياة. والفاتورة باهظة لطلقة الكلمة. أمنياً، كل تصريح عن “عودة المطار” يستدعي مسيرة. كلما أثبتنا أنه يعمل، صار إثبات العكس هدفاً للعدو. واقتصادياً، شركات الطيران الدولية لا تحب المخاطرة. مسيرة واحدة كفيلة بتعليق كل الرحلات لأشهر، وتخسر الدولة ملايين الدولارات وسمعة سيادية يصعب ترميمها. ونفسياً، المواطن الذي سمع “الحياة عادت” ثم رأى دخان المسيرات، يفقد الثقة في الخطاب الرسمي كله، وهذه أخطر الخسائر. فماذا على الدولة أن تفعل؟ “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”.

هذا الحديث الشريف ليس وصية اجتماعية فحسب، بل هو أصل من أصول الأمن في هديه صلى الله عليه وسلم. فقد طبّقه في سيرته ليعلمنا كيف تُدار الدول في أحلك الظروف، وأن كتمان الخطوة قبل تمامها هو أساس النصر. فلا تخبر عدوك بما تنوي فعله. المطلوب الآن خطة “صمت استراتيجي”: أولاً، ضبط الخطاب الرسمي، فيمنع منعاً باتاً على أي مسؤول غير مخول التصريح عن جاهزية المرافق الحيوية. الناطق الرسمي واحد، والخبر يخرج بعد التأمين لا قبله. “العودة الفعلية” تسبق “الإعلان عن العودة” وليس العكس. ثانياً، الخداع الاستراتيجي، فبدل نشر “المطار يعمل”، فلتُنشر “أعمال صيانة مستمرة بالمطار”.

اجعل العدو يضرب فراغاً بدل أن يضرب إنجازاً. وثالثاً، المساءلة الإعلامية، فكما حوسبت صحيفة “رأي الشعب” سياسياً بعد كارثة اليرموك، يجب أن تكون هناك محاسبة اليوم لأي منصة أو مسؤول يسرب معلومة تحدد بنك أهداف العدو. نريد للخرطوم أن تعود. نريد للمطار أن يستقبل العالم. لكن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر الميكروفونات. يمر عبر الهدوء، الكتمان، والعمل التراكمي. من اليرموك إلى مطار الخرطوم.. الدرس واحد: كل طلقة كلام قبل أوانها، قد تجلب طلقة مسيرة بعدها. فلنصمت قليلاً.. حتى ننجز كثيراً. “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان” ليست حديثاً للزواج والوظيفة فقط. هي اليوم عقيدة أمن قومي.

زر الذهاب إلى الأعلى