كتاب رائ وعالمية

كلمات واجبة..مي علي آدم تكتب.. في اليوم العالمي لحرية الصحافة “رغم الألم يبقى القلم”

الخرطوم | الآن نيوز

في الثالث من مايو، يقف العالم ليحتفل بحرية الصحافة. أما نحن في السودان، فنقف لنحصي خسائرنا. ثلاث سنوات مرت منذ أن تحولت غرف الأخبار إلى ساحات حرب، وتحولت الكلمة إلى تهمة. ثلاث سنوات والصحافة السودانية تدفع الثمن: منا من واجه الموت، ومنا من ابتلعته الزنازين، ومنا من أجبره التشريد على حمل قلمه إلى المنافي، ومنا من بقي في الداخل يصارع الموت والجوع ليكتب.

 

منذ فجر 15 أبريل 2023، لم يعد الموت خبراً نغطيه، بل مصيراً يحاصرنا. أكثر من ثلاثين زميلاً وزميلة سقطوا وهم يؤدون واجبهم. لم يحملوا بنادق، حملوا دفاترهم. قتلوا لأن الصورة كانت أصدق من البيان، ولأن تسجيلاً صوتياً مدته دقيقة كان كافياً لفضح مجزرة. ماتوا في الخرطوم، في نيالا، في الجنينة، في الجزيرة. ماتوا وهم يوثقون موت الآخرين، وكانت هوياتهم الصحفية آخر ما وُجد في جيوبهم.

 

ومن زملائنا من لم يقتله الرصاص، فابتلعته الزنزانة. أكثر من تسعين صحفياً وإعلامياً عرفوا معنى أن تتحول غرفة التحرير إلى زنزانة انفرادية. انتزعوا من بين أطفالهم، من أمام لابتوباتهم، من الشارع وهم يبثون. ذاقوا العتمة والتعذيب والإخفاء القسري لأنهم رفضوا أن يكونوا أبواقاً. خرج بعضهم بأجساد نحيلة، لكن القصة التي سُجنوا بسببها كانت قد هربت قبلهم.

 

ومن زملائنا من نجا من الموت والاعتقال، فطارده التشريد. في ليلة واحدة ماتت مؤسسات عمرها نصف قرن. صمتت الإذاعات وتوقفت المطابع ونُهبت الكاميرات. آلاف الصحفيين وجدوا أنفسهم بلا مكاتب وبلا رواتب. تفرق زملاؤنا في المنافي، من القاهرة إلى كمبالا، من أديس إلى الدوحة. ناموا في المدارس والخيام. لكن اللابتوب كان أول ما حملوه. من خيمة ممزقة في “أدري”، من غرفة ضيقة يتقاسمونها أربعة، ظل الخبر السوداني يولد. بإنترنت يأتي ساعة ويغيب يوماً، بقلب أثقله الفقد.

 

أما نحن الذين بقينا هنا، في قلب الجحيم، فكنا شهوداً على كل ذلك. بقينا في الفاشر وزالنجي وأم درمان نركض بين القذائف لنصور ثلاثين ثانية عن مستشفى قُصف. نكتب على ضوء الهاتف عن أطفال ماتوا جوعاً لأن العالم لا يصدق إلا إذا رأى. نحن لا نغطي المعاناة، نحن نعيشها. الفرق الوحيد بيننا وبين الضحية أننا نحمل قلماً بدل الكفن. يسألوننا: ألا تخافون؟ فنجيب: الخوف الحقيقي أن نموت قبل أن تصل الحكاية.

 

ثلاث سنوات كانت كافية لنكتشف أن الصحافة في السودان لم تعد مهنة، بل عقيدة. أن تكون صحفياً هنا يعني أن توقع على عقد غير مكتوب مع الموت كل صباح. يعني أن تؤمن أن الكلمة قد لا توقف القذيفة، لكنها ستلعن من أطلقها.

 

لذلك، في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا نطلب دقيقة صمت. نطلب دقيقة ضمير من هذا العالم. نطلب أن تتذكروا أن خلف كل خبر عاجل يصلكم عن السودان، صحفي. قد يكون شهيداً، أو معتقلاً، أو مشرداً، أو صامداً تحت القصف. أن خلف كل صورة لجثة، مصور استفرغ بعدها ولم يذق النوم لأيام.

 

نحن، جسد الصحافة السودانية، دفعنا الثمن من دمائنا، من سنوات زملائنا في الزنازين، من دموع أطفالهم في المنافي، من بيوتنا التي صارت أثراً بعد عين. دفنّا زملاءنا بأيدينا، وكتبنا مرثياتهم، ثم مسحنا دموعنا وعدنا إلى لوحة المفاتيح لأن هناك خبراً يجب أن يخرج.

 

لهذا نقسم، بكل قطرة حبر نزفناها: لن نصمت. لن ننحني. لن ننسى. سنظل نكتب حتى لو كان حبرنا دمعنا.

رغم الرصاص الذي حصد زملاءنا، رغم السلاسل التي قيدتهم، رغم الخيام التي آوت بعضنا، رغم الفقد الذي كسرنا جميعاً.. رغم الألم، يبقى القلم.

وسيبقى.. شاهداً، ومقاوماً، وحراً.. حتى يكتب السودان فصله الجديد.

زر الذهاب إلى الأعلى