كتاب رائ وعالمية

كارثة صحية وشيكة بدولة جنوب السودان

الخرطوم| الآن نيوز

بقلم: أخصائي المختبر شامكواك تيموثي

في وقتٍ يموج فيه النظام الصحي في جنوب السودان بالتحديات، تُطلّ أزمة جديدة تُهدّد حياة المواطنين من نافذة قد لا يراها البعض، لكنها تُعد العمود الفقري لأي نظام صحي حديث: بنك الدم الوطني. تشير التقارير الصادرة عن خدمة نقل الدم الوطنية بوزارة الصحة إلى توقف وشيك في عمليات التبرع وتوزيع الدم بسبب الانهيار شبه التام في التمويل والدعم الفني والتشغيلي، عقب انسحاب الممولين الدوليين منذ ديسمبر 2024.

 

إننا هنا لا نتحدث عن خدمات رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل عن خط الدفاع الأخير في غرف العمليات، وأقسام الطوارئ، وعيادات النساء والتوليد، ووحدات علاج فقر الدم الوراثي والمزمن. توقف بنك الدم يعني – وبكل بساطة – الموت المؤكد لكثيرين ممن يحتاجون للدم يوميًا.

 

أولاً: الدور الحيوي لبنك الدم الوطني

 

بنك الدم ليس مجرد مخزن للدم، بل هو نظام قومي يقوم على جمع التبرعات الطوعية، وفحص الدم، وتخزينه، وتوزيعه على المستشفيات حسب الحاجة. يلعب هذا النظام دورًا محوريًا في:

 

دعم العمليات الجراحية الطارئة والمبرمجة.

 

إنقاذ حياة الأمهات في حالات النزيف بعد الولادة.

 

علاج مرضى الأنيميا الحادة وأمراض الدم الوراثية.

 

الاستجابة لحوادث الطرق وإصابات النزاع المسلح.

 

بنك الدم هو شريان حياة، وبدونه لا يمكن لأي مستشفى أو مركز صحي أن يؤدي وظيفته بكفاءة. لذلك، فإن دعمه يجب أن يكون أولوية قومية لا تقبل التراخي أو التأجيل.

 

ثانيًا: الأزمة الحقيقية ليست فقط في التمويل

 

صحيح أن توقف المانحين، وعلى رأسهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصليب الأحمر، عن تمويل بنك الدم الوطني قد فجّر الأزمة الحالية، إلا أن جوهر المشكلة أعمق من ذلك.

 

1. غياب الكوادر التخصصية المؤهلة

 

لا يمكن بناء نظام دم قومي على أسس علمية بدون وجود كوادر مدربة في مجالات بنك الدم ونقل الدم، من أطباء متخصصين وفنيي مختبرات وموظفي توعية وتبرع. اليوم، يتم التعامل مع هذه المؤسسة الحساسة بأسلوب إداري تقليدي، دون الاستعانة بخبرات علمية تقدم حلولًا حقيقية للأزمة.

 

2. تعيينات لا تستند إلى الاختصاص

 

إن استمرار تعيين قيادات غير متخصصة في المواقع الحرجة داخل بنك الدم يضعف قدرته على وضع استراتيجيات بعيدة المدى لتأمين المخزون الوطني، وتطوير قاعدة بيانات للمتبرعين، وتطبيق أنظمة الجودة والسلامة.

 

3. انعدام التوزيع الجغرافي لبنوك الدم

 

أغلب بنوك الدم محصورة في المستشفيات الحكومية الكبرى بجوبا، بينما تعاني مستشفيات الولايات والريف من غياب تام لهذه الخدمة. الأسوأ أن إدارة المخزون في المستشفيات تخضع في أحيان كثيرة لتحكم منظمات شريكة قد لا تستجيب للأولويات الوطنية، بل لمصالحها المؤسسية، مما يعرقل التوزيع العادل للدم.

 

ثالثًا: مخاطر الأزمة على المرضى

 

حين يتوقف بنك الدم الوطني، فإن أول من يدفع الثمن هم المرضى الأبرياء، خصوصًا:

 

النساء في مرحلة الولادة والنزيف ما بعد الولادة.

 

الأطفال المصابون بفقر الدم نتيجة الملاريا أو سوء التغذية.

 

المصابون في حوادث السير والنزاعات المسلحة.

 

مرضى الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي الذين يحتاجون نقل دم دوري.

 

في غياب بنك دم فعال، تُترك الأسر لتبحث عن متبرعين في اللحظات الحرجة، ما يعرض حياة المرضى للخطر ويفتح الباب أمام سوق سوداء للدم، تنعدم فيها الرقابة والمعايير الطبية.

 

رابعًا: نداء إلى الجهات العليا وصناع القرار

 

إن خطر توقف بنك الدم ليس شأناً فنياً تخص وزارة الصحة وحدها، بل هو قضية أمن قومي وصحة عامة تتطلب تدخلاً مباشرًا من أعلى هرم الدولة. ومن هذا المنبر، نوجّه نداءً عاجلاً إلى:

 

🔹 رئاسة الجمهورية:

 

لتبني ملف بنك الدم كأولوية رئاسية، والعمل على إصدار توجيهات عاجلة بتمويله وتحديث بنيته التحتية وتوسيع انتشاره.

 

🔹 وزارة المالية:

 

لضمان إدراج خدمة نقل الدم ضمن موازنة الدولة بشكل دائم، كخدمة ضرورية يجب أن تتمتع بتمويل حكومي مستقر بعيدًا عن تقلبات المانحين.

 

🔹 وزارة الصحة:

 

لإعادة النظر في بنية القيادة داخل بنك الدم، وإشراك الكفاءات العلمية والطبية في إدارته، وبناء شبكة وطنية لبنوك الدم في كل الولايات.

 

🔹 الشركاء الدوليين:

 

ندعوهم لإعادة تقييم انسحابهم المفاجئ، والبحث مع الحكومة عن حلول مشتركة تضمن استمرار هذا المرفق الحيوي، حتى لو كان ذلك عبر اتفاقيات مرحلية أو تمويل جزئي.

خامسًا: الحلول المقترحة

 

لا يكفي التحذير فقط، بل يجب طرح حلول عملية قابلة للتنفيذ، ومنها:

 

1. إنشاء صندوق طوارئ لبنك الدم تموّله الحكومة جزئيًا ويُفتح أيضًا للتبرعات المحلية.

 

2. إطلاق حملات وطنية للتبرع بالدم بالتعاون مع الجامعات، المساجد، الكنائس، والمؤسسات المجتمعية.

 

3. تأهيل كوادر متخصصة في بنك الدم عبر التدريب داخل وخارج البلاد.

 

4. توزيع بنوك الدم بشكل عادل داخل الولايات والمناطق الريفية.

 

5. استقلالية إدارية وفنية لبنك الدم الوطني ليعمل وفق أنظمة مهنية بعيدًا عن البيروقراطية والعلاقات السياسية.

ختامًا:

 

كل يوم يمر دون حل لهذه الأزمة يعني مزيدًا من الأرواح التي تُزهق بصمت. لا يجب أن ننتظر وقوع الكارثة، بل يجب التحرك العاجل والفوري لإنقاذ بنك الدم الوطني قبل فوات الأوان. فالأمن الصحي لا يقل أهمية عن الأمن السياسي، ولا وطن بلا صحة، ولا صحة بلا دم.”من لم يُدرِك خطر نقص الدم اليوم، قد لا يجد الوقت للندم

زر الذهاب إلى الأعلى