في اليوم العالمي للمصورين.. “الآن نيوز” ترثي المصور السوداني الراحل شيخو
الخرطوم| الآن نيوز

في اليوم العالمي للمصورين، نقف اليوم إجلالاً وإكباراً لروح المصور السوداني الراحل شيخو، الذي حمل كاميرته ليس مجرد أداة للالتقاط، بل وسيلة لحفظ الحقيقة ونقلها بكل صدق وشفافية. كان شيخو أكثر من مصور؛ كان فناناً مبدعاً صاحب نظرة ثاقبة تمكن من رؤية ما لا يراه الآخرون، وعيناً ترى أعماق الواقع السوداني بما فيه من جمال وألم وكفاح وكرامة. كل صورة التقطها كانت تعبيراً صادقاً عن لحظة ما، عن حياة ما، عن صمت منسية أو قصة غير محكية، وقد استطاع من خلالها أن يترجم المشاعر الإنسانية والأحداث اليومية إلى لغة بصرية تصل إلى قلب كل من يراها.
لقد جمع شيخو بين الجرأة والشجاعة والفن، فكان يقتحم الأماكن التي يهرب منها كثيرون، يواجه التحديات والمخاطر من أجل أن تكون العدسة شاهدة على الحقيقة كما هي، بلا تزيف أو تزيين. لم يكن هدفه مجرد توثيق الأحداث للذكرى، بل كان يريد أن تُرى الحقيقة للناس كما هي، أن يشعر المشاهد بما لم يكن يتوقع أن يشعر به، وأن يواجه الواقع بلا خوف. في كل صورة، كان الحنين والحزن والفرح والأمل والكرامة حاضرين، وهو قادر على جعل الصورة تنطق وتروي قصة حياة كاملة في إطار واحد.
رحيل شيخو شكل فراغاً كبيراً في الوسط الصحفي والفني، لكنه ترك إرثاً خالداً من الصور التي تحكي عن السودان وأهله وعن وجوه المنسيين والمعاناة الصامتة التي يعيشها كثيرون في مختلف الولايات والمدن. لقد ترك بصمة لا تمحى، وأصبح اسمه مرتبطاً بشجاعة التصوير ومصداقية العمل الصحفي والفني. كان يعرف كيف يجعل عدسته وسيلة للتعبير عن الحقيقة الإنسانية، وعن جمال الأرض رغم كل ما فيها من تحديات وصعوبات. كان يحمل العدسة كما يحمل وطنه، يلتقط لحظات صغيرة، لكنها مؤثرة وعميقة، ليخلق من خلالها قصة شاملة عن حياة شعب بأكمله.
لم يكن شيخو مجرد مراقب للأحداث، بل كان مشاركاً فيها بروحه وعقله ووجدانه، يحمل العدسة في كل مكان، يلتقط ما لا يراه الآخرون، ويسجل اللحظة كما هي، بعفوية وصدق وجرأة. لقد علّمت صوره الكثيرين أن الصورة ليست مجرد انعكاس للواقع، بل هي لغة حقيقية قادرة على إحداث تأثير عميق، وهي أداة للتغيير وللكشف عن القضايا الإنسانية والاجتماعية التي تتطلب الانتباه والمواجهة. لقد صنع من الكاميرا أداة للعدالة البصرية، وأظهر للجميع أن الفن والإبداع يمكن أن يكونا في خدمة الحقيقة والإنسانية.
واليوم، ونحن نحتفل باليوم العالمي للمصورين، نقف وقفة احترام وتقدير لكل مصور يحمل الكاميرا كما حملها شيخو، بكل أمانة وشجاعة، ليكشف العالم على حقيقته، ويخلّد اللحظات التي ربما لن يتمكن أحد من تذكرها أو ملاحظتها. رحيله لم يكن نهاية الحكاية، بل بداية لتقدير كل من يسعى لتوثيق الحقيقة بشجاعة وإبداع، وكل من يجعل من العدسة أداة لفهم الواقع ومعايشة لحظات الحياة بكل تفاصيلها.
رحم الله المصور البطل، وخلّد اسمه وصوره في ذاكرة السودان والعالم، وسيبقى إرثه الفني شاهداً حياً على شجاعته، وإبداعه، ونظرته الثاقبة، وكل من يحمل الكاميرا اليوم مدين له بالإلهام الذي تركه خلفه. لقد جعلنا نرى ما لم نكن نراه، نشعر بما لم نكن نشعر به، ونفكر بما لم نكن نفكر فيه، وجعل من الفن أداة للكرامة والصدق والشجاعة، ليصبح اسمه مرتبطاً بالوفاء للمهنة، وبالإبداع، وبالحقيقة التي لا تموت.

