
بقلم: د. مهدي حامد أحمد.
كيف أكتب عن رحيلك المر، ومصابنا كبير، وفقدنا جلل، وحزننا أليم؟ كيف، ولماذا، وبأي لغة، وبأي حروف أعبر عن مرارة فجيعتنا التي هزّت أركان القبيلة؟ إنها أكبر من أن توصفها وتخطّها كلمات وحروف مقالي، لأنه فقد يفوق حد الوصف للكواهلة، ووجع أمة كانت تتكئ على دفء كلماته ورجاحة عقله في كل ملماتها، وتنتظر منه الكثير.
وبسماع نبأ رحيله، هزّ الخبر كيان أمة الكواهلة، وأبكاها على بكرة أبيها، وأوجعها، لأنه جاء سريعًا كالصاعقة:
(خبرك جانا دق صاقعة… مواجعو تراعد
روحك الطاهرة ذهبت يا البقيت مننا متباعد
اسمك في التاريخ مسطر قاعد)
كيف لا، وأنت من أبنائها البررة، وتجمع كل صفات الرجولة والكرم والشهامة والإيثار، ومتقدم الصفوف لإعلاء شأن الوطن، مدافعًا عن ترابه وعرضه بالكلمة والسيف، وتحمل في نفسك الأبية كل جينات المحبة البشرية والإنسانية الفاضلة لكل الأهل والأحباب قاطبة، دون فرز.
الحديث عن مناقبك وصفاتك وكرم أخلاقك ومواقفك الرجولية تجاه الأهل والوطن والمواطن يحتاج إلى مجلدات وكتب، لأنك سكنت وتربعت في أعماق وجوف كل كاهلي وسوداني أصيل، بأعمالك الخالدة، وصوتك الجهور، وبشاشتك المعهودة، ومحبتك للناس، سبّاقًا لكل الأعمال الخيرية، جابرًا للخواطر بين الناس في أي مكان وزمان، ومكفكفًا لدمعة المحروم والمغلوب، ومواصلاً للأرحام صغيرهم قبل كبيرهم.
كنت باكيًا مع كل الأحباب، من خالهم إلى خلخالهم، وحلالًا للعقد والمشاكل، جاهزًا ومسافرًا في كل لحظة، وواهبًا من زمنك ووقت راحتك لحل مشاكل الأهل في كل بقاع السودان، مهما كانت تعقيدات المشكلة. تسهر وتساهر لحلها مع رفقاء دربك الأمير علي الزبير والزعيم محمد كريم الله، حتى تصل مبتغاك، داعيًا للمحبة والألفة بين الأهل والأحباب بكل توادد ولطف.
من أي عالم أتيت إلينا يا سليل عبد الله وجاد الله، وأنت تحمل كل تلك الصفات والجينات؟ باختصار، لأنك جئت من رحم هذه القبيلة، لأنك دومًا تقول: (واسفي وا ذلي لو ما جيت من ذي ديل).
وأخيرًا، وليس آخرًا، رحلت تلك النفس النقية الطاهرة، ذات السيرة والمسيرة والسريرة البيضاء، من أرض شكيري، حيث الوطنية الحقة والدفاع عن الوطن. والحمد لله، رحلت وأنت تحمل هموم الكواهلة والوطن بين ضلوعك، حتى لقيت الله شهيدًا، صائمًا، قائمًا، جابرًا للخواطر، مواسيًا ومشاركًا لأهلك في شكيري أحزانهم ومصيبتهم، وكأنك ترى يومك، ملمحًا في حديثك، كأنك شهيدهم الثامن عشر، وتمنيت رفقتهم ومصاحبتهم، فأعطاك الله لها.
ولكن فقدوك، أصحاب المبادرات والملمات، الأمير علي الزبير ومحمد كريم الله، اللذان لم يتوقف نحيبهما وبكاؤهما عليك حتى كتابة هذه الحروف، ولا يعرف قدر الرجال إلا الرجال. وهذا إن دلّ فإنما يدل على الفقد الكبير للكواهلة.
شهادتي فيك مجروحة يا مصباحنا المضيء لنا دومًا عتمة الطريق، للألفة الكبيرة التي جمعت بيني وبينك:
(ونار الألفة بينا سنين أبكت فينا أحلام يوم باكر).
يا ملهم ذكرياتي وأسفاري، وجغرافية دواخلي، ووجع لحظاتي التي بكاها ابنائ محمد ومصطفى وماب قبل حروف يراعي، وكذلك بكتها كل أمة الكواهلة وكافة قبائل السودان.
ومات الباكي جرحنا وناسي جراحه، وتاني بقول مطر الحزن عاود هطل، جدد عذابات أمهات خدور في حجرهم وخدورهم، لأنه كان دومًا مقنع كاشفات، ويقول في كل أحاديثه:
(في زول برضى يجي لوليتو… وفي زول يرضى يجي لجارتو
ببكنك عفافًا صح دموعن غالية… يا توب سترتن وكت الميادين غالية)
ورحل أيقونة الكواهلة في الملمات، وصوتهم الجهور والصادح، وكنارهم المغرد. يا لها من أقدار ومقادير ربانية، فنعم بالله ونعم النصير.
أردد وأقول: إنه فقد جلل هدهد كيان الكواهلة، وجغرافية زمانها ومكانها، وتضاريس مضاجعها، لأنه أحبهم وأحبوه، وبكاهم وأبكوه.
ورحل العم التوم أبوذره، تاركًا لنا إرثًا إنسانيًا خالدًا، ومواقف وطنية مشرفة، لم تتزحزح عن مبادئها النبيلة وعن تراب وطنها قيد أنملة.
نم في مرقدك هانئًا سعيدًا، كما كنت جابرًا للخواطر، ومن العافين عن الناس، وأنت تلقى الله صافي السريرة والمسيرة في شهر عظيم، في أيام مباركات.
اللهم اغفر للعم التوم، وارحمه تحت الأرض كما رحمته فوق الأرض، وتقبله قبولًا حسنًا.
وربنا يخلف البركة في ذريته وأولاده وإخوانه: العم مصطفى، ووسيلة أبوذره، وإبراهيم.

