كتاب رائ وعالمية

عمر دمباي يكتب.. “القضارف” المدينة العطشانة

الخرطوم | الآن نيوز

لا صوت يعلو فوق صوت العطش في مدينة القضارف، فالقضارف المدينة الوحيدة التي يتجاوز فيها ما يُنفق على مياه الشرب في كل منزل راتب شخصين، والحكومة ما زالت تدور في ذات الحلقة المفرغة، رغم تعاقب الولاة وتعدد المبادرات.

 

مع أن لكل والٍ كانت له بصمته في إدارة الولاية، لكن تلك البصمات تظل محدودة الأثر طالما بقيت معضلة المياه في مكانها، بل إن مشروع مياه القضارف يظل المشروع الأول والأهم، وما دونه يعد اجتهادات تشكر عليها الحكومات السابقة لكنها اجتهادات لن يخلدها التاريخ، لأن مشروع مياه القضارف يعتبر هو المشروع الذي يهم الغني والفقير، الموظف والنظامي، وصاحب الأعمال الحرة، وجميع فئات وشرائح هذه المدينة العطشانة.

 

أولاً، من المهم أن يدرك كل مواطن في القضارف أن مشكلة المياه التزام اتحادي وتمويل اتحادي، وأن الحكومات المركزية المتعاقبة تتحمل مسؤولية عطش القضارف، وليس ولاة الولاية، لكن المسؤولين المحليين غالباً ما يتحاشون التصريح بذلك الحديث، خشية أن يفسر الأمر على أنه انتقاد أو تحريض، قد يترتب عليه إعفاؤهم من مواقعهم.

 

ثانياً، يجب أن يكون المواطن على دراية بالجهود التي بذلها الولاة المتعاقبون، وما الذي أُنجز فعلياً في كل مرحلة، فالمعرفة الدقيقة بالتاريخ التنفيذي للمشروع تساعد في تقييم الأداء وتحديد مكامن الخلل.

ثالثاً، من الضروري إدراك أن الظروف الحالية تختلف عن السابقة، وأن الاكتفاء بمتابعة المشروع مركزياً لم يعد مجدياً.

 

الحل الواقعي يكمن في أيلولة المشروع بالكامل لحكومة ولاية القضارف، بحيث تتولى التنفيذ المباشر، وتبرم تعاقداً منفصلاً مع الشركة المنفذة أو مع شركات أخرى، وتدفع المتبقي من تكلفة المشروع من مواردها الذاتية، بدلاً من انتظار التمويل الاتحادي الذي قد يطول أمده وقد لا يأتي، اما غير ذلك من الحديث لن يكون سوى كلام تخدير وعدم شفافية، يبدد السنوات لا الوقت فقط.

 

وبحسب المعلومات المتاحة، فإن المتبقي من تكلفة المشروع في أسوأ التقديرات لا يتجاوز خمسين تريليون، نصف هذا المبلغ قد يكون متوفراً لدى جهات داخل الولاية، مثل المقاومة الشعبية، وأضعافه في ديوان الزكاة، وعشرة أضعافه ضمن ميزانية الولاية، غير أن هذه الجهات ليست مخولة قانوناً بالصرف على المشروع في وضعه الحالي، وليس من بنود صرفها لكن متى ما أصبح المشروع ملكاً تنفيذياً لحكومة الولاية، يمكن حينها تعبئة الموارد المحلية وتحمل المسؤولية الأخلاقية، أو التمويل عبر البنوك، مع استرداد التكاليف تدريجياً بصيغة متفق عليها.

 

القضارف لا تحتاج مزيداً من الوعود، بل قراراً شجاعاً ينهي عطش مدينة بأكملها، فالمياه ليست مشروعاً خدمياً عادياً، بل حياة، واستقرار، وكرامة لمواطن ظل ينتظر طويلاً.

زر الذهاب إلى الأعلى