عزة عمر نصر تكتب.. “من الحياد إلى النفوذ” كيف تحولت حركة العدل والمساواة من فصيل مسلح إلى لاعب مؤثر في مستقبل السودان؟
الخرطوم | الآن نيوز

لم يكن التحول الذي شهدته حركة العدل والمساواة خلال السنوات الأخيرة تحولاً عسكرياً فحسب، بل كان تحولاً سياسياً و مؤسسياً أعاد رسم موقعها داخل الدولة السودانية فالحركة التي نشأت كإحدى الحركات المسلحة في دارفور ثم دخلت العملية السياسية بعد اتفاق جوبا للسلام أصبحت اليوم تشغل موقعاً مؤثراً في المشهد العام سواء من خلال مشاركتها في مؤسسات الدولة أو من خلال حضورها السياسي والعسكري.
ومع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 دخلت البلاد مرحلة جديدة أعادت ترتيب التحالفات وفي بدايات الحرب اتسم موقف بعض الحركات المسلحة بالحياد قبل أن تعلن لاحقاً مشاركتها إلى جانب الجيش السوداني ضمن ما عرف بالقوات المشتركة ومنذ ذلك الحين توسع حضور هذه القوات في عدد من الولايات والجبهات وأصبحت لاعباً مؤثراً في المعادلة العسكرية.
وفي الوقت نفسه برز دور حركة العدل والمساواة سياسياً بصورة أكبر، بالتزامن مع تولي رئيسها جبريل إبراهيم وزارة المالية وهي وزارة ذات تأثير مباشر في السياسات الاقتصادية والموارد العامة. كما شهدت الفترة الأخيرة سلسلة من اللقاءات والزيارات المعلنة مع إدارات أهلية وطرق صوفية وقيادات مجتمعية في ولايات مختلفة إلى جانب تفاهمات أو تحالفات أعلن عنها مع شخصيات وقوى ذات حضور سياسي أو اجتماعي.
وقد أثار إعلان توقيع مذكرة تفاهم بين شيبة ضرار وحركة العدل والمساواة إلى جانب اللقاءات التي جمعت جبريل إبراهيم بعدد من القيادات الأهلية والشخصيات العامة مثل موسى هلال وكيكل وغيرهم نقاشاً واسعاً حول طبيعة هذه التحركات ودلالاتها السياسية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب وتعثر مسار الانتقال السياسي.
ومن خلال متابعتي للمشهد السوداني كباحثة و محللة سياسية أرى أن هذه التحركات لا يمكن قراءتها بمعزل عن بناء نفوذ سياسي واسع فالعمل على توسيع العلاقات مع القيادات المجتمعية وتكثيف الحضور في ولايات مختلفة عبر تنسيقيات وتعزيز التواصل مع قوى ذات ثقل محلي كلها خطوات قد تفسر باعتبارها سعياً إلى بناء قاعدة سياسية يمكن أن يكون لها وزن في أي عملية سياسية أو انتخابات مستقبلية خاصة بعد تداول مقطع لرئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم يؤكد لقواته أنه يريد أن يحكم السودان. وفي هذا السياق يلفت الانتباه اتساع النشاط التنظيمي للحركة و مؤيديها في عدد من المناطق، إلى جانب استمرار حضورها في مؤسسات الدولة، وهو ما يجعلنا نطرح أسئلة حول شكل المنافسة السياسية في مرحلة ما بعد الحرب وكيف ستؤثر هذه التحالفات في موازين القوى داخل السودان.
ويبقى مستقبل السودان مرهوناً بقدرة جميع القوى السياسية والعسكرية على الاحتكام إلى مؤسسات الدولة وسيادة القانون و بإجراء أي عملية سياسية أو انتخابية في إطار يضمن تكافؤ الفرص والشفافية واحترام إرادة الناخبين، بما يحفظ استقرار البلاد.
وفي تقديري فإن قراءة المشهد بمجمله لا تقتصر على التحالفات العسكرية وحدها و إنما تمتد إلى بناء شبكة نفوذ سياسي واجتماعي تتوسع تدريجياً في عدد من الولايات فاللقاءات مع الإدارات الأهلية والطرق الصوفية، والتحالفات المعلنة مع شخصيات وقوى مختلفة والحضور التنظيمي في مناطق متعددة كلها مؤشرات أراها تصب في اتجاه توسيع القاعدة السياسية للحركة استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب
كما أن وجود الحركة في مواقع تنفيذية مؤثرة داخل الدولة، بالتزامن مع نشاطها السياسي والتنظيمي يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقة بين العمل الحكومي والعمل الحزبي وحول الضمانات التي تكفل تكافؤ الفرص بين جميع القوى السياسية إذا ما اتجه السودان إلى انتخابات في المستقبل.
ومن خلال متابعتي للمشهد السوداني أرى أن التحركات الحالية لا يمكن فصلها عن الاستعداد لمرحلة سياسية جديدة. وقد يكون من الطبيعي لأي حزب أو حركة أن يسعى إلى توسيع نفوذه السياسي لكن يبقى التحدي في أن يتم ذلك عبر مؤسسات الدولة والقانون وبما يضمن المنافسة العادلة والاحتكام إلى إرادة الناخبين لا إلى موازين القوة التي فرضتها ظروف الحرب لذلك نجد جبريل إبراهيم أنشأ قواعد له في كل الولايات وبصفة خاصة مشروع المليون وحدة سكنية التي سوف يتم توزيعها على جغرافيا السودان تمهيداً للمرحلة المقبلة وهو حكم السودان بعد تأسيس دولة الزغاوة الكبرى.

