كتاب رائ وعالمية

عبدالله بيكه يكتب.. متى نصر الله؟.. صرخة الشعب الصابر من رحم المعاناة

الخرطوم | الآن نيوز

عندما تشتد الأزمات وتتوالى المحن على الشعوب، تضيق الأرض بما رحبت، وتصل النفوس إلى مرحلة من الضيق والإنهاك تكاد تبلغ معها القلوب الحناجر. هذا الوضع الإنساني المعقد ليس جديدا على التاريخ البشري، بل هو امتداد لسنن كونية مر بها حتى خيار الخلق وصفوة الأمة؛ صحابة رسول الله ﷺ. لقد عاش الرعيل الأول لحظات من الابتلاء والزلزلة الشديدة، زلزل عروش طمأنينتهم الدنيوية ودفعتهم تحت وطأة المعاناة والخطوب المدلهمة إلى استبطاء الفرج، حتى تساءلوا مع الرسول في لحظة حرجة وثقها القرآن الكريم لتبدو منهجا لكل مكروب: {حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ}. وجاءهم الرد الإلهي الحاسم، حاملا بلسم الشفاء للقلوب المتعبة ويقين الفرج بعد الشدة: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.

اليوم، يعيش المواطن السوداني تفاصيل هذه اللحظة التاريخية والروحية بكل أبعادها وتجلياتها المؤلمة. فقد بلغت الأزمة الحالية سقفا من الضيق فاق قدرة الجسد البشري على الاحتمال، وتجاوزت حدود الصبر التقليدي؛ بين نزوح وتشريد طال الملايين، وفقدان مأساوي للأرواح والممتلكات، وانعدام كامل لأبسط مقومات الحياة الأساسية من غذاء ودواء ومأوى وأمان. هذا الضيق الشديد الذي أحال المدن والقرى إلى ساحات من الوجع، جعل لسان حال المواطن البسيط والشيخ الفاني والمرأة المكلومة، وهو يرى بلاده وتاريخه وأهله في مهب ريح الصراعات، يردد ذات السؤال بذات النبرة المنهكة والمستغيثة: متى تنتهي هذه المأساة؟ وإلى أين المسير؟ ومتى يأتي الفرج؟

إن المقاربة بين ما يمر به المواطن اليوم وما مر به الصحابة الكرام في لحظات الشدة القصوى —كأيام معركة الخندق حين بلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالا شديدا— لا تأتي من باب الإسقاط العابر، بل لتقدم عزاء وصبرا ممتداً، وتؤكد أن الضيق الإنساني واستبطاء النصر لا يعيب الإيمان ولا ينقص من قدر الصابرين، بل هو بشرية محضة تطلب الأمان والحياة بعد طول عناء وتعب. وكما كان التوجيه النبوي دائماً يربط بين اشتداد الكرب وبزوغ الفجر، فإن الوعي الشعبي يدرك اليوم أن بلوغ هذه المرحلة الحرجة من المعاناة، وتكالب الظروف وتأزمها، هو المؤشر الحقيقي على أن النفق المظلم قد شارف على النهاية، فكلما اشتد ظلام الليل، كان ذلك إيذانا باقتراب الفجر.

بين تفاصيل المعاناة اليومية في مراكز النزوح والمستشفيات المتهالكة، تولد قوة خفية يستمدها الشعب من هذا اليقين الإلهي. فالإجابة التي تبحث عنها القلوب لا تقف عند حدود التحليلات السياسية أو الوعود العسكرية، بل تذهب عميقا نحو الأمل الإنساني المتجدد؛ فمع العسر يسرا والمعاناة الحالية مهما استطالت واستبدت لا بد لها أن تنقشع. هذا اليقين بقرب نصر الله ولطفه بعباده هو الوقود الحقيقي الذي يدفع المواطن للصمود، والتكافل مع أخيه، واقتسام لقمة العيش المغمسة بالقلق، متطلعا بشوق إلى اليوم الذي تصمت فيه المدافع، وتعود فيه الحياة والنماء إلى ربوع الوطن، لتتحول صرخة الألم والضيق الحالية إلى سجدة شكر لله على فرج جعل الله بابه الصبر والثبات، وحصاده السلام والعدل والاستقرار.

زر الذهاب إلى الأعلى