كتاب رائ وعالمية

عبدالله بيكه يكتب.. “جبال النوبة” بين إرث دولة 56 ووعود حكومة التأسيس*

الخرطوم | الآن نيوز

تتجسد معضلة بناء الدولة السودانية وعجزها البنيوي بوضوح في قضية شعب جبال النوبة – إقليم جنوب كردفان الذي يجد نفسه اليوم محاصرا في برزخ سياسي وقانوني شائك تتجاذبه قوتان وخطابان متناقضان خطاب المحافظة على دولة 56 بإرثها ومؤسساتها وخطاب السعي نحو حكومة التأسيس بشعاراتها الراديكالية يمثل هذا التجاذب السياسي والعسكري المعاصر انعكاسا مباشرا لأزمة دستورية ممتدة وعميقة، فشلت النخب المتعاقبة في حلها منذ نيل الاستقلال في العام 56 وتحولت بمرور العقود من خلاف سياسي حول إدارة التنوع إلى صراع وجودي يهدد تماسك الكيان الوطني ككل.

يرى أبناء النوبة في إرث دولة 56 امتدادا طبيعيا لهيكل حكم مركزي استعماري في روحه وأحادي في توجهه فرضته صفوة سياسية واجتماعية غداة خروج المستعمر هذا الإرث اتسم تاريخيا بالتهميش التنموي الممنهج للإقليم حيث ظلت خيرات الجبال ومواردها الزراعية والمعدنية تنهب لصالح المركز دون ريع حقيقي يعود على إنسان المنطقة في شكل خدمات أساسية كالتعليم والصحة والبنية التحتية ولم يتوقف الأمر عند التهميش الاقتصادي بل تجاوزه إلى محاولات الصهر الثقافي واللغوي القسري وتسييس القوانين لتكريس هوية أحادية تقصي عشرات الإثنيات واللغات المحلية التي تميز مجتمع النوبة مع الاعتماد الكلي على الآلة العسكرية وحملات العنف الحكومي لمعالجة الأزمات والمطالب السياسية المشروعة بدلا من إرساء سيادة القانون والعدالة الاجتماعية.

وفي المقابل يطرح المعسكر المناهض مشروع إعادة التأسيس أو حكومة التأسيس كبديل ثوري وتأصيل قانوني جديد يوعد في أدبياته بتفكيك بنية الامتيازات التاريخية لدولة 56، وبناء سودان جديد يتأسس على ركائز مغايرة تماما يرتكز هذا الخطاب على إقرار المواطنة المتساوية كمعيار وحيد للحقوق والواجبات والاعتراف الدستوري غير المشروط بالتعددية الثقافية والدينية وإقرار نظام فيدرالي حقيقي يمنح الأقاليم سلطات تشريعية وتنفيذية واسعة لإدارة شؤونها المحلية وأمنها الذاتي كما يتبنى هذا المشروع لا سيما في أطروحات الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو علمانية الدولة وحيادها التام تجاه الأديان كضمانة قانونية أساسية لحماية التنوع الديني التاريخي داخل مجتمع النوبة نفسه والذي يتعايش فيه المسلمون والمسيحيون وأصحاب المعتقدات المحلية في وئام أسري فريد.

ورغم الجاذبية النظرية والدستورية التي يحملها خطاب التأسيس إلا أن شعب جبال النوبة واستنادا إلى تجاربه المريرة مع عهود الاتفاقيات المنقوضة ينظر إلى هذا الصراع بحذر شديد وريبة مشروعة فالخشية الكامنة في الوجدان الجمعي لأبناء الجبال هي أن يختزل شعار التأسيس إلى مجرد واجهة سياسية براقة أو أداة مناورة تستخدمها أطراف النزاع العسكري الحالي للاستقواء بالحركات المسلحة وأبناء الهامش في معارك تصفية الحسابات السياسية دون وجود إرادة حقيقية وصادقة لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل عادل بمجرد انتهاء المعارك واستتباب الأمر للمنتصر.

إن الخروج بجبال النوبة من بين فكي هذا التجاذب الخطير والمدمر يتطلب التوقف عن التعامل مع قضيتهم كملف أمني أو كرت تفاوضي مؤقت إن الحل الجذري يستدعي صياغة عقد اجتماعي حقيقي يخرج من رحم مؤتمر دستوري قومي شامل تشارك فيه القوى الحية للإقليم بكافة مكوناتها ويجب أن يفضي هذا التأسيس القانوني إلى صياغة دستور دائم يقر بالحقوق التاريخية لشعب النوبة ويضمن آليات واضحة وقابلة للتنفيذ للعدالة الانتقالية والمحاسبة على جرائم الماضي مع تأسيس منظومة عدلية مستقلة وقادرة على فرض سلطة القانون فوق سلطة البندقية لكي لا تظل دماء وتاريخ وثقافة شعب جبال النوبة وقودا لمعارك نخب المركز المتصارعة تحت مسميات قديمة أو مستحدثة.

زر الذهاب إلى الأعلى