كتاب رائ وعالمية

عبدالغفار بنباني يكتب…  بين سلطة القرار وحدود القانون: هل تنتصر المؤسسية أم يُدار السودان بالمزاج؟

الخرطوم | الآن نيوز

لم يكد يمضي يومان على قرار رئيس مجلس الوزراء، د. كامل إدريس، القاضي برفع الإيقاف عن مديرة قناتي العربية والحدث في السودان، الصحفية لينا يعقوب، وإعادتها إلى منصبها، حتى اشتعل الجدل في الأوساط الإعلامية والسياسية.

فالقرار، وإن بدا إداريًا في ظاهره، إلا أنه أعاد فتح ملفات أكبر تتعلق بطبيعة ممارسة السلطة داخل الدولة، وبسؤال قديم يتجدد مع كل حادثة مشابهة: هل نعيش في ظل دولة مؤسسات؟ أم أن القرارات لا تزال تُدار بمنطق الأفراد وموازين التأثير؟

 

وزير الإعلام والثقافة خالد الأعيسر لم يتأخر في الرد، حيث أصدر بيانًا قال فيه بوضوح إن الوزارة تعمل وفق لوائح وهياكل مؤسسية، وإن القرارات داخلها لا تُبنى على المجاملات أو العلاقات الشخصية، بل على القانون والاختصاص. هذا التصريح لم يكن مجرد توضيح إداري، بل بدا في مضمونه ردًا سياسيًا على القرار، أو بالأحرى محاولة لإعادة رسم حدود السلطة داخل الجهاز التنفيذي.

 

وهنا يبرز السؤال الذي تجاوز اسم لينا يعقوب ليصل إلى جوهر الأزمة: ما الإطار القانوني للقرار؟

هل يملك رئيس الوزراء سلطة إلغاء قرارات وزارية إدارية صادرة وفق لوائح مختصة؟ أم أن الأمر تجاوزٌ لمهام وزارة الإعلام بوصفها المسؤول المباشر عن القطاع؟

 

من الصعب إنكار تأثير العلاقات الشخصية في المشهد السياسي السوداني. فالتحالفات والثقة المتبادلة كثيرًا ما لعبت دورًا حاسمًا في تمرير القرارات، وربما في تقليل الاحتكاكات بين المسؤولين. لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن هذه الثقة تظل قوية ما دامت الصلاحيات غير متقاطعة، بينما تتحول بسرعة إلى مساحة اختبار بمجرد بروز تعارض بين الاختصاصات.

 

القضية اليوم ليست إعلامية موقوفة تمت إعادة تعيينها، ولا خلافًا إداريًا بين وزارتين، بل اختبار حقيقي لفكرة الدولة الحديثة التي تقوم على قانون واضح، ومسارات إجرائية معلومة، لا على الأسلوب المزاجي أو القرار الفوقي مهما كانت مبرراته.

 

فالدول حين تُدار بالاستثناءات تبدأ دائمًا بخطوات صغيرة تحت ذرائع الضرورة، ثم يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والقرارات الفردية إلى عرف سياسي، والقانون في النهاية إلى واجهة تجميلية لا وزن لها أمام سلطة النفوذ.

 

لذلك، فإن السؤال الأهم الآن ليس:

هل القرار صحيح؟ بل:

هل صدر بالطريقة الصحيحة ووفق الأطر القانونية الواضحة؟

 

الفرق بين دولة تُدار بالقانون، ودولة تُدار بالمزاج، يبدأ من هذا النوع من التفاصيل.

وما حدث اليوم ليس مجرد قرار؛ بل مرآة تعكس شكل الدولة التي نريد، أو تلك التي نسمح بتكوينها دون أن ندري.

زر الذهاب إلى الأعلى