
*في بريد خلف الأسوار*
رسالة وصلتني من أحد الزملاء الصحفيين، الذي لجأ إلى العمل غسّالاً للسيارات في القاهرة، وهو يرثي حاله لابنه المستنفر في خطوط القتال مع القوات المسلحة، ويرثي حال آلاف السودانيين في مصر).
انشرها كما وصلتني:
الغَسَّال
مقدمة:
وأنا في أرض التغرُّب القسري بمصر، ومع الظرف الاقتصادي الضاغط، ورغم سريان الراتب الوظيفي، ومثلي ومثل الكثيرين من السودانيين، اضطررت للتنازل عن المقام الوظيفي، وأنا الصحفي، وأنا خريج جامعة الخرطوم، فعملت في مغسلة سيارات، عاملاً، ولكَم خفف عليَّ، حال جاري، الذي يحمل درجة الدكتوراة ويعمل في أحد المخابز، يخبز حيناً ويبيع الخبز من على الطاولة حيناً آخر، والآخر رجل الأعمال، دارس جامعة الخرطوم، الملياردير سابقاً، والذي فقد كل شيء وصار اليوم يبيع البهارات وغيرها.
وأنا أقاسي حال الهوان هذا، فقد شرعت في نظم هذه القصيدة مخاطباً ابني ذا العشرين (المستنفَر محمد) وأرثي له حالي فيها، وقبل إكمالها إذا بها يزداد الحال أسىً بانطلاق الحملات المذلة لإرجاع السودانيين، مع أنه لا اعتراض من حيث المبدأ على أمر العودة، حيث شرعت، كما الكثيرين، في حزم حقائبي عائداً بعزتي، لكن حزَّ في نفوسنا السوء في التنفيذ، وقد عرجت في القصيدة على هذا الحال، ثم اضفت الإهداء إلى الفريق أول ركن البرهان ود.كامل ادريس ثم سفيرنا بمصر، عماد الدين عدوي.
ثم تباً لآل دقلو وللقحاتة ولمعينيهم، فهم أس هذا البلاء، وحيَّا الله أبطال معركة الكرامة؛ برائين وغير برائين.
*****
اِبْنِي وَعَنِّي هَلْ دَرَيْتَ الحَالَا؟* فَبِمِصْرَ صِرْتُ اليَوْمَ ذَا.. غَسَّالَا
هَوْنًا، فَلَيْسَ أَبُوكَ يَغْسِلُ مَلْبَسًا* لِلنَّاسِ بِنْطَالًا وَلَا سِرْوَالَا
لَكِنَّ لِلْعَرَبَاتِ أَصْبَحَ غَاسِلًا* وَأَمَامَهُ مُصْطَفَّةً أَرْتَالَا
وَالْمَاءُ (بِالبَاقَاتِ) أَحْمِلُهُ أَنَا* نَالَ الهَوَانُ وَمِنْ أَبِيكَ مَنَالَا
مَا كَانَ ظَنًّا أَنْ يَحِلَّ عَلَيْهِ ذَا* سُبْحَانَ رَبِّكَ غَيْرَ الأَحْوَالَا
قَدْ كَانَ يَوْمًا فِي المَكَاتِبِ جَالِسًا* وَالْمَاءُ يَرْشَفُ (صِحَّةً) وَزُلَالَا
وَأَمَامَهُ الحَاسُوبُ يَعْظُمُ شَاشَةً* تِلْفَازُهُ – ذَا الحَائِطِيُّ – شِمَالَا
أَدَوَاتُهُ الرِّيمُوتُ ضِفْهَا فَأْرَةً* فِي لُجَّةِ القَنَوَاتِ صَالَ وَجَالَا
وَالْيَوْمَ أَضْحَتْ يَا بُنَيَّ أَدَاتُهُ* صَابُونُ غَسْلٍ بُدْرَةً وَمُسَالَا
النَّاسُ تَشْرِي الفَارِهَاتِ تَفَاخُرًا* وَمُنَايَ أَنْ أَغْدُو لَهَا الغَسَّالَا
كَيْ أَسْتَزِيدَ عَلَى المُعَدَّلِ قَبْضَةً* وَأُضِيفَ مِنْ بَعْدِ النَّوَالِ نَوَالَا
قَدْ كَانَ يَحْضُرُ رَاغِبِي فِي مَكْتَبِي* وَيَقُولُهَا: (أُسْتَاذَنَا).. إِجْلَالَا
وَالْيَوْمَ جَهْلُولٌ وَخَالِفُ رِجْلِهِ* يَأْتِي وَحَافِيَةً يَقُولُ: (تَعَالَا)
(اغْسِلْ عَجُولًا دَابَّتِي)* مُتَعَالِيًا لَا لِي لِيُلْقِي بَالَا
جَهْلُولَنا.. فِي الْجَامِعَاتِ أنَا ابْنُهَا* (خَرْطُومُ يَا ذَاتَ الجَمَالِ مُحَالَا)(١)🔻
مَنْ مُبْلِغٌ مُعْتَادَ (بَقْشِيشٍ) بِعِزَّ أكَفِّنَا؟*وَنَمِيزُ حِرْصَاً فِي الْكُسُوبِ حَلَالَا
وَأَنَا وَغَيْرِي فِي الهَوَانِ إِذَا بِهَا* يَأْتِي الهَوَانُ مُضَاعَفًا أَحْمَالَا
إِرْجَاعُ قَسْرٍ وَالجَمِيعُ مُطَارَدٌ* وَالدَّهْمُ طَالَ مَسَاكِنًا وَمَحَالَا
أَعَجَزْتَ يَا بُرْهَانُ أَنْ تُوصِي لَنَا* عِنْدَ اعْتِقَالٍ لَا نَرَى إِذْلَالَا؟
لَمْ تُوصِ، إِذْ أَبْنَاءُ شَعْبِكَ قَدْ غَدَوْا* مَثْنَى ثُلَاثًا قُيِّدُوا أَغْلَالَا
بِالشَّاحِنَاتِ بَنُوكَ جَارٍ رَفْعُهُمْ* فِي حَالِهِمْ كَمْ يُشْبِهُونَ بِغَالَا
أَتُرَى تَنَامُ وَيَا (سُعَاتُو) هَانِئًا* وَالسِّجْنُ ضَمَّ – وَيَا أَسًى – كُهَّالَا
أَتُعِيدُ كَهْلًا كَيْ يُعَمِّرَ حَيَّهُ؟!* أَلَا تَرَى فِيمَا فَعَلْتَ خَبَالَا؟!
أَوْلَى وَمِنْ ذِي الشَّيْبِ؛ ضَافِرُ شَعْرِهِ* أَوْ نَاصِلًا أَوْ (شَارِطًا) بِنْطَالًا
تَرْمِي نِسَاءَكَ فِي السُّجُونِ!!؛ العَيْبُ ذَا* فِعْلٌ -وَعُرْفًا- لَا يُشْبِهَنَّ رِجَالَا
أَمَّا السَّفِيرُ فَكَأَنَّمَا (مَا عِنْدَنَا)* لَا مِنْهُ فِعْلٌ لَا كَذَلِكَ قَالَا
مَاذَا اسْتَفَدْنَا مِنْ جَمَالِ سِفَارَةٍ* فِيهَا قَطَعْنَا كَمْ وَكَمْ إِيصَالَا؟
وَلِكَوْنِهَا فِي هَيْعَةٍ لَمْ نَلْقَهَا* أَوَلا يُمَاثِلُ حَالُهَا الأَطْلَالَا؟
عَنْ (كَامِلٍ) فَلَقَدْ أَتَانَا مُرْسَلًا* وَلِذَا فَلَيْسَ نُعَاتِبُ المُرْسَالَا
هَيَّا بَنِي السُّودَانِ مِصْرًا غَادِرُوا* وَبِعِزَّةٍ بَلْ عَجِّلُوا التَّرْحَالَا
عَبْرَ القِطَارِ أَوِ المَطَارِ جَمِيعُنَا* بِالبَصِّ حُطُّوا فِي البِلَادِ رِحَالَا
خَيْرٌ وَمِنْ ذَا؛ أَوْبَةٌ لِبِلَادِنَا* بِالْعِزِّ نَحْيَا نَرْقُبُ الآجَالَا
لَكِنَّنَا وَلِأَهْلِ مِصْرَ نَقُولُهَا* شُكْرًا وَنَحْفَظُهَا لَكُمْ أَفْضَالَا
لَكِنْ وَإِنْ كُرْهًا قَدِمْنَا أَرْضَكُمْ* فَلَكَمْ رَفَدْنَا سُوقَكُمْ أَمْوَالَا
خَتْمَاً فَتَبَّاً آلَ (دَقْلُو)، ضِفْ لَهُمْ* قَحْتَاً وَأعْوَانَاً كَذَا أَذْيَالا
قَدْ أَوْرَدُوا هَذِي الْبِلادَ مَهَالِكَاً* وَبِهِمُ الَّذِي مَا نَحْنُ فِيهِ مَآلا
شعر: ع.ع.
القاهرة مارس ٢٠٢٦م
🔻(١) جامعة الخرطوم في الثمانينيات كانت توصف بـ(الجميلة ومستحيلة) لارتفاع درجة القبول بها

