منوعات وفنون

رجل بقامة وطن “مولانا آدم العاقب” سيرة رجل عاش للحق ومضى تاركًا أثرًا لا يُمحى

الخرطوم | الآن نيوز

ليست كل السير تُكتب، ولا كل الحكايات تُروى، لكن هناك أشخاصًا تتحول حياتهم إلى ذاكرة جمعية، وإلى دروس صامتة تتناقلها الأجيال. مولانا آدم العاقب محمد العاقب لم يكن مجرد رجل عاش حياة عادية، بل كان نموذجًا نادرًا لإنسان صنع نفسه بنفسه، وتجاوز حدود الظروف ليصبح قيمة إنسانية قائمة بذاتها. بين الفقر والعلم، وبين الغربة والوطن، وبين القانون والإنسانية، تشكّلت شخصية رجل اختار أن يقف دائمًا في صف الحق، مهما كان الثمن.

النشأة الأولى… البدايات التي تصنع الرجال

وُلد عام 1961 في قرية أم رماد، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة، حيث الحياة قائمة على الكفاف، والقيم تُغرس بالفعل لا بالقول. فقد والده في سن مبكرة، فتولت والدته الحاجة تم كلثوم تربيته، فكانت له الأم والأب معًا. في تلك البيئة، لم يكن هناك ترف الطفولة، بل كانت المسؤولية حاضرة منذ الصغر، حيث دخل سوق العمل في سن السابعة، واختبر مبكرًا معنى الاعتماد على النفس.

رغم قسوة الظروف، لم تنكسر روحه، بل تشكلت على الصلابة. كان مختلفًا عن أقرانه، يحمل وعيًا مبكرًا، ويُدرك أن مستقبله لن يُصنع إلا بإرادته.

العلم رغم الفقر… حين تتحول الإرادة إلى وسيلة

في زمن كانت فيه وسائل التعليم محدودة، ابتكر طريقه الخاص. كان يصعد إلى الجبال ليلتقط إشارة الراديو، ليستمع إلى نشرات الأخبار وخطب القادة، متابعًا ما يحدث في العالم من حوله. لم يكن الراديو مجرد جهاز، بل كان نافذته إلى العالم، ومن خلاله كوّن وعيه السياسي والفكري.

أُعجب بشخصيات قيادية مؤثرة، وتابع قضايا التحرر، وتأثر بالنقاشات الكبرى في العالم العربي، ما انعكس لاحقًا في اهتمامه بالقضايا السياسية والقانونية. هذا الشغف بالمعرفة جعله مختلفًا، وجعل من التعليم هدفًا لا يمكن التنازل عنه.

بداية الطريق المهني… من الحرفة إلى الطموح الأكبر

التحق بمعهد نيالا الفني الحرفي، حيث تعلم صيانة الأجهزة الكهربائية، وهي مهنة كانت بداية الاستقلال المادي. لم تكن مجرد وظيفة، بل كانت وسيلة للانطلاق. بعدها، سافر إلى المملكة العربية السعودية، حيث أثبت جدارته وأمانته، واكتسب خبرات مهمة في بيئة عمل مختلفة.

لكن رغم الاستقرار النسبي، لم يكن يقبل القيود، خاصة تلك التي تحد من حريته في التنقل أو اتخاذ القرار، فاختار أن يغادر، متجهًا إلى ليبيا، في خطوة جسدت شخصيته الحرة التي لا تقبل التقييد.

ليبيا… نقطة التحول الكبرى

في ليبيا، بدأت مرحلة جديدة من حياته، مرحلة الانتقال من العمل اليدوي إلى العمل الفكري. هناك، قرر أن يعود إلى الدراسة، رغم مسؤولياته الأسرية، فالتحق بجامعة الفاتح ودرس القانون. لم يكن الأمر سهلًا، فقد كان يوازن بين العمل والدراسة والأسرة، لكنه أصر على تحقيق حلمه.

تخرج بمرتبة الشرف، ثم واصل دراسته العليا، حيث تناول في بحثه قضايا معقدة مثل العلاقات الدولية وتأثيرها على الأمن القومي العربي، إضافة إلى قضايا المياه والصراع عليها. كان ذلك دليلًا على عمق تفكيره، واهتمامه بالشأن العام، وليس فقط بمسيرته الشخصية.

القانون كرسالة… لا كمهنة

بعد عودته إلى السودان، بدأ عمله في المحاماة بمدينة الأبيض. لم يكن محاميًا تقليديًا يسعى للربح، بل كان صاحب رسالة. وقف مع المظلومين، ورفض الدفاع عن الباطل، حتى لو كان الطرف الآخر صديقًا أو قريبًا. كان يؤمن أن العدالة لا تتجزأ، وأن القانون يجب أن يكون في خدمة الناس، لا وسيلة لاستغلالهم.

اشتهر بين الناس بنزاهته، حتى أن البعض كان يلجأ إليه لا لكونه محاميًا فقط، بل لأنه صوت للحق.

الإنسانية في أبهى صورها… مواقف تُخلّد

لم تكن إنسانيته مجرد شعارات، بل كانت أفعالًا يومية. احتضن أطفالًا ضائعين، وفتح لهم منزله حتى عادوا إلى أسرهم. تعامل مع الجميع دون تمييز، حتى في اختلاف الدين أو الخلفية. ذات يوم، اصطحب طفلًا مسيحيًا إلى الكنيسة ليحافظ على ارتباطه الروحي، في مشهد يعكس عمق إنسانيته.

وفي موقف آخر، دفع من ماله الخاص لإدخال عشرات الأطفال الفقراء إلى الألعاب في مناسبة عامة، رغم أنه عاد يومها دون مال للمواصلات. كان يرى أن إسعاد الآخرين واجب، حتى لو كان على حساب راحته الشخصية.

رؤية تتجاوز الحدود… الإنسان أولًا

لم يكن يؤمن بالتصنيفات الضيقة، خاصة القبلية. كان يعلّم أبناءه أن يقولوا “نحن سودانيون” قبل أي انتماء آخر. هذه الرؤية جعلته أكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على التفاعل مع مختلف فئات المجتمع.

السياسة والفكر… حضور فاعل ومؤثر

انخرط في العمل السياسي، وساهم في نشاطات فكرية وتنظيمية، خاصة في شمال كردفان. كان يسعى إلى توحيد الصفوف، ونبذ الخلافات، والعمل من أجل مصلحة المجتمع. لعب دورًا مهمًا في تهدئة الأوضاع في لحظات التوتر، وكان صوته دائمًا مع العقل والحوار.

أب ومربٍ… صناعة جيل مختلف

في منزله، كان أبًا ومربيًا. ملأ البيت بالكتب، وربّى أبناءه على التفكير الحر. لم يفرض عليهم طريقًا، بل منحهم الأدوات ليختاروا بأنفسهم. اليوم، نجاح أبنائه في مجالات متعددة هو انعكاس مباشر لتلك التربية.

الرحيل… حين تتحدث الأفعال

رحل بعد معاناة مع المرض، لكن رحيله كشف حجم الأثر الذي تركه. في جنازته، حضر الجميع، وظهرت قصص لم تكن معروفة، عن مساعدات قدمها، وعن أشخاص غيّر حياتهم دون أن ينتظر شكرًا.

إرث خالد… ما يبقى بعد الرحيل

ترك أحلامًا لم تكتمل، مثل حفر الآبار ودعم الأيتام، لكنه ترك ما هو أعظم: سيرة تُلهم. كان مثالًا لرجل بدأ من لا شيء، وصنع نفسه، وعاش من أجل الآخرين.

مولانا آدم العاقب لم يكن مجرد اسم… بل كان قيمة، ورسالة، وحكاية ستبقى تُروى ما بقي في الناس من يقدّر معنى الإنسانية.

زر الذهاب إلى الأعلى