
ليست المشكلة في المنافسة، فالمنافسة هي روح الرياضة ووقود تطورها،المشكلة الحقيقية تبدأ حين تتحول المنافسة إلى خطاب إنكار، وهروب، وتسطيح للتاريخ، وحين يُختزل النقاش الكروي في شعارات تدمّر أكثر مما تُنصف.
من هذا المدخل، يصبح من الضروري التوقف عند واحدة من أكثر العبارات تداولاً في إعلامنا الرياضي:
“الصفر الدولي” ، التي تُستخدم كلما فُرض واقع التفوق المحلي لنادي الهلال السوداني، ليس بوصفها تحليلًا موضوعياً، بل كآلية دفاع نفسي وإعلامي للهروب من سؤال التفوق الحقيقي داخل الملعب.
أولاً: إنصاف الهلال ليس تعصباً، الهلال السوداني، بحساب الأرقام المجردة، هو النادي الأكثر هيمنة على البطولات المحلية في السودان خلال العقود الأخيرة.
هذه حقيقة لا يغيّرها المزاج، ولا يُلغيها اختلاف الانتماء.
تفوق الهلال محلياً لم يكن صدفة، ولا نتاج ظرف عابر، بل نتيجة تراكم إداري و إستقرار فني نسبي و قدرة على إدارة الضغوط واستثمار مستمر في الفريق الأول.
إنكار هذا الواقع، أو القفز فوقه بالحديث عن “الصفر القاري” ، لا يُضعف الهلال، بل يُضعف مصداقية الخطاب نفسه.
ثانياً: البطولات القارية ليست المعيار الوحيد للقيمة
في كرة القدم العالمية، لا يُقاس وزن الأندية بالكؤوس القارية وحدها، بل بالحضور، والاستمرارية، والتأثير.
أندية كبيرة ومرموقة لم تحقق بطولات قارية لعقود طويلة، ومع ذلك لم يشكك أحد في مكانتها:
باريس سان جيرمان سيطر محلياً سنوات طويلة قبل أن يحقق المجد الأوروبي مؤخراً.
توتنهام هوتسبير اسم إنجليزي عريق، رغم غياب الألقاب القارية الحديثة.
روما ونابولي أندية بتاريخ وجماهير وتأثير يفوق عدد الكؤوس.
تشيلسي الانجليزي أول لقب قاري حققه ٢٠١٢م دوري أبطال أوروبا و لم نسمع الإعلام الانجليزي يقول قبل ذلك بأن تشيلسي بصفر دولي.
بل إن بعض الأندية الأوروبية لم تعرف منصة التتويج القاري إلا بعد نصف قرن من المحاولات.
القيمة القارية تُبنى، ولا تُختزل.
ثالثًا: الهلال اسم قاري حتى دون الكأس، الهلال، شئنا أم أبينا، اسم حاضر في الذاكرة الأفريقية:
مشاركات متكررة في دوري أبطال أفريقيا.
وصول للأدوار المتقدمة.
احتكاك دائم بكبار القارة.
احترام تنظيمي قاري
وقاعدة جماهيرية خارج الحدود.
الاسم القاري لا يبدأ بالكأس، بل يُتوّج بها.
رابعاً: الخطاب الذي يدمّر أكثر مما يدعم
المفارقة المؤلمة أن هذا النوع من الكتابات الاستقطابية لا يضر الهلال وحده، ولا المريخ وحده، بل يضر كرة القدم السودانية ككل.
حين يتحول إعلامنا إلى ساحة تصفية محلية، فإننا:
نضعف فرص أنديتنا قارياً.
نكسر الثقة في ممثلي السودان خارجياً.
ونُساهم، دون وعي، في تراجع تصنيف المنتخب الوطني.
في أفريقيا، لا تُصنّف الدول بنادٍ واحد، بل بمجموع أدائها القاري.
خامساً: العقلية التي نحتاجها
إذا أردنا أن يتقدم السودان كروياً، فعلينا أن نرتقي بعقليتنا:
أن ندعم أنديتنا قارياً مهما اختلفت ميولنا.
أن ننتقد إدارياً وفنياً، لا تهكمياً وتصفوياً.
أن ننظر للأمام، لا تحت أقدامنا.
فالمنافسة التي لا تُنتج تطوراً،
هي خصومة عقيمة، والخطاب الذي لا يخدم المنتخب،
ليس وطنيا مهما بدا متحمساً.
الهلال لا يحتاج لمن يبالغ في مدحه، ولا المريخ يحتاج لمن يبرر إخفاقه بالشعارات.
ما تحتاجه كرة القدم السودانية هو خطاب أعلى، أعمق، وأصدق، خطاب يدرك أن الهلال والمريخ ـ مهما اشتدت الخصومة ـ هما جناحا السودان في الخارج،
وأن كسر أحدهما لا يصنع مجداً للآخر، بل يضعف الوطن كله.
هكذا تُبنى الرياضة… وهكذا فقط، نغادر مربع الصفر الحقيقي، صفر الوعي الرياضي .

