د/ أحمد علي عبدالقادر يكتب.. السودان والاتحاد الأفريقي: كيف خسر مؤسس القارة مكانه على طاولتها؟
الخرطوم | الآن نيوز

في صباح مايو 1963، وقف السودان إلى جانب أثيوبيا وغانا ونيجيريا ليدشنوا حلم الوحدة الأفريقية. كانت الخرطوم آنذاك عاصمة للقرار السيادي في القارة، وجسراً بين أفريقيا السوداء والعربية، ونافذة مفتوحة على البحر الأحمر والمحيط الهندي. بعد ستة عقود، إذ يُرفع علم السودان عن مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، ويُجمد مقعده، ويُدار ملفه كقضية إنسانية لا كدولة عضو مؤسس، يبرز سؤال وجودي: كيف انقلبت الأدوار بهذه الدراما؟ وكيف تخلى السودان عن إرثه القاري، أو تخلى عنه الاتحاد؟
هذا المقال ليس رثاءً لدبلوماسية ضائعة، بل تشريح لتحول استراتيجي عميق: كيف يفقد بلدٌ مؤسسٌ مكانه داخل مؤسسة ساهم في بنائها؟ ولماذا لم تنجح الآليات الأفريقية في إنقاذ عضوها من الهاوية؟
أولاً: المكانة الضائعة – متى كان السودان قائداً للقارة؟
لطالما امتلك السودان ثلاث ركائز للنفوذ الأفريقي:
1. الجغرافيا: بوابة بين شمال أفريقيا وشرقها وغربها، وملامسة للبحر الأحمر وقرنه الأفريقي وحوض النيل.
2. التاريخ: دولة استقلت مبكراً (1956)، وخاضت أطول حرب أهلية في القارة، ثم أصبحت نموذجاً للوساطة (اتفاقية نيفاشا 2005).
3. الثقل السياسي: عضو مؤسس في منظمة الوحدة الأفريقية، ومقر سابق للعديد من مفاوضات السلام، ودولة لعب أدواراً في الصومال وإريتريا وتشاد وجنوب السودان.
في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، كان السودان لاعباً محورياً في ملفات القرن الأفريقي، يملك القدرة على عقد التحالفات وتفكيكها، ويفهم لغة الصراع والنفوذ كما يفهم أحد أبنائه دروب الصحراء.
ثانياً: لحظة التعليق – حُكم بالإعدام السياسي؟
في 25 أكتوبر 2021، قاد الجيش السوداني إجراءات وصفتها الأغلبية الدولية بـ”الانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي”. وبعد أيام، قرر الاتحاد الأفريقي تعليق عضوية السودان، في خطوة كانت متوقعة، لكن عواقبها كانت أكثر إيلاماً مما ظنّه الكثيرون.
ما الذي يعنيه تعليق العضوية بحق؟
· لا تصويت في القمم والجمعيات العامة.
· لا مناصب قيادية في مفوضيات ولجان الاتحاد.
· لا حضور في مجلس السلم والأمن الأفريقي (أهم هيئة لصنع القرار في الأزمات).
· تحول ملف السودان من “دولة عضو” إلى “أزمة مدارة”.
هنا المفارقة التاريخية الكبرى:
الدولة التي أسست الملجأ أصبحت طريدة داخله. والاتحاد الذي كان يُفترض أنه حامي الديمقراطيات الهشة عاقب السودان بأقسى ما لديه، لكنه فشل في إدارة الحرب التي اندلعت بعده بأقل من عامين.
ثالثاً: الفراغ الذي لا يُغفر – أثيوبيا ودول أخرى تملأ الصورة
عندما يغيب الأسد عن الغابة، لا تخلو المنطقة من مفترس جديد. ومع تجميد عضوية السودان، وجدت أثيوبيا نفسها في موقع فريد:
· استضافة مقر الاتحاد الأفريقي منذ عام 1963، وما ترتب على ذلك من نفوذ لوجستي وإداري وعلاقات يومية مع البيروقراطية الأفريقية.
· صعودها كقوة اقتصادية وعسكرية في عهد رئيس الوزراء آبي أحمد، وسعيها لأن تكون لسان القارة في قضايا المناخ والديون والسلام.
· صراعات مباشرة مع السودان: أزمة منطقة الفشقة الحدودية، وسد النهضة، ودعم حركات مسلحة في مناطق حدودية. وغياب الخرطوم عن أروقة القرار الأفريقي جعل أديس أبابا تروي روايتها من دون منافس.
لا توجد وثائق تثبت أن أثيوبيا استخدمت المقر رسمياً ضد السودان. لكن النخبة السودانية ترى أن تمركز القرار الأفريقي داخل عاصمة خصم مباشر، يعني أن أي شكوى سودانية تمر عبر مرشحات أديسية غير معلنة. هذا ليس اتهاماً، بل قراءة واقعية لتوازنات النفوذ.
إلى جانب أثيوبيا، تمددت أدوار:
· كينيا في ملف الوساطة (عملية إعلان جمهورية).
· جيبوتي في موانئ البحر الأحمر.
· الإمارات التي أصبحت طرفاً مؤثراً ليس في السودان فقط بل داخل الاتحاد الأفريقي عبر دبلوماسية مكثفة وحضور في التجمعات القارية.
· السعودية التي أصبحت تدير ملفات الإغاثة والسلام بموازاة الاتحاد.
السودان لم يُطرد من القارة، لكنه طُرد من طاولة التشاور، ومن غرفة التحكم. وهذه هي الخسارة الحقيقية.
رابعاً: الجرأة على السؤال المحظور، هل فشل الاتحاد الأفريقي في السودان؟
السؤال الذي يهمس به دبلوماسيون سودانيون وأفارقة في الممرات، ونادراً ما يُصرح به:
إذا كان الاتحاد الأفريقي عاقب السودان بتجميد عضويته لحماية الديمقراطية، فلماذا لم يستطع حماية السودانيين من الحرب والموت والجوع بعد ذلك؟
انفجرت الحرب في أبريل 2023 بين الجيش و مليشيا الدعم السريع المتمردة (شبه العسكرية) . ومذ ذاك الحين، قدم الاتحاد الأفريقي:
· مبادرات سلام متأخرة وضعيفة التنسيق.
· تقارير لجان تحقيق لم تخرج إلى النور.
· عجزاً عن وقف إطلاق نار واحد ملزم أو دائم.
· وتهميشاً متبادلاً بين الاتحاد والآلية الإقليمية (إيغاد) عرقل أي جهد حقيقي.
النتيجة: نزوح 10 ملايين سوداني، مجاعة وشيكة، انهيار دولة. والاتحاد الأفريقي يكتفي ببيانات إدانة واجتماعات افتراضية.
هنا تكشف المفارقة الأعمق: الاتحاد الذي يجمّد عضوية دولة عقاباً لها، لم يبتكر بعد آلية لحماية مواطنيها عندما تتهاوى الدولة ذاتها. هل من العدل تجميد السودان سياسياً ثم تركه عسكرياً؟ أم أن عقوبة التجميد كانت نهاية المهمة بالنسبة للاتحاد؟
خامساً: خسائر تراكمية – لماذا الغياب الطويل يعني الموت البطيء؟
إن تجميد العضوية لمدة عامين (من أكتوبر 2021 إلى استعادة تدريجية للعلاقات في 2023 جزئياً) ترك ندوباً هيكلية يصعب ترميمها:
· خسارة الخبرة المؤسسية: الجيل الذي أدار العلاقات السودانية الأفريقية تقاعد أو هاجر أو ابتعد عن دوائر القرار.
· فراغ التمثيل: سفارات السودان لدى الاتحاد تعمل بطاقة صفرية، وتقاريرها لا تُقرأ بعين الاهتمام.
· فقدان الأولوية: على جدول أعمال الاتحاد، تتصدر الآن ملفات الساحل وغرب أفريقيا وأزمة النيجر والغابون، بينما تراجعت القضية السودانية كأولوية قارية.
· إعادة تشكيل التحالفات: تحالفات جديدة في القرن الأفريقي (أثيوبيا – الصومال – كينيا) لا تشمل السودان، وتُبنى أحايين كثيرة على حسابه.
الدول لا تخسر مواقعها في لحظة انقلاب واحد، بل تخسرها في كل يوم يمر دون حضور مؤثر. السودان اليوم يسدد فواتير غيابه عن كل قمة أفريقية، عن كل تصويت على قرار مصيري، عن كل غرفة مغلقة تُصنع فيها سياسات القرن الأفريقي القادم.
وفي نهاية هذا المقال يبرز سؤال جوهري كيف يعود السودان إلى طاولته؟
لن تعود عضوية السودان الكاملة بمجرد إنهاء الحرب أو تشكيل حكومة انتقالية جديدة. العودة تحتاج إلى مشروع دبلوماسي قاري جديد:
1. إعادة تقييم جذري للعلاقة مع الاتحاد الأفريقي: من مجرد تسديد اشتراكات إلى بناء تحالفات استباقية مع مفوضية الاتحاد ومجلس السلم والأمن.
2. استثمار في الدبلوماسية الموازية: عبر المنظمات غير الحكومية، والجامعات الأفريقية، ومنتديات الحوار القارية، لملء الفراغ حتى عودة العضوية الرسمية.
3. انخراط عميق في ملفات القارة: تغير المناخ، الهجرة، الطاقة، البنية التحتية – كمدخل لاستعادة الصورة كدولة عطاء لا دولة أزمة.
4. كسر عقدة أديس أبابا: بإنشاء قنوات اتصال مباشرة مع رئاسة مفوضية الاتحاد، وطرح إنشاء مكاتب تمثيل أفريقية في شرق السودان لموازنة التركيز الجغرافي للنفوذ.
السودان لا يحتاج فقط إلى رفع التجميد. يحتاج إلى إعادة اكتشاف أفريقيا، كما تحتاج أفريقيا إلى اكتشاف سودان ما بعد الحرب. فالقارة بلا السودان، كما يقول برلماني سابق من مالي: “جسد بلا عمود فقري”.
أما الاتحاد الأفريقي، فعليه هو الآخر أن يسأل نفسه: هل عاقبنا السودان لصالح الديمقراطية، أم جمدناه حتى لا نرى انهياره أمام أعيننا؟
لأن التاريخ لن يسأل السودان فقط: كيف خسرت مكانك؟ بل سيسأل الاتحاد الأفريقي أيضاً: كيف تركت عضواً مؤسساً يغرق دون أن تمد يداً حقيقية؟
الطاولة الأفريقية لا تزال كما هي. لكن السودان، المؤسس الذي أسسها، يراقب اليوم من بعيد، وأيدي الآخرين تعيد ترتيب الأوراق عليه.

