لم يأتي في مخيلتي بانني سأكمل كل مراسم الهجرة ( للشرق ) حتي تتاح لي فرصه العيد مع الاهل والاحباب بل بعض الاهل
فكنت سابقا اري البعض يتوجس ويتجهز قبل بضعة ايام من حلول العيد بغرض السفر الي حيث الاهل والاحباب وكنت اري غضاضه في ذلك متسائلا ما الذي يجبرهم علي العمل بعيدا عن أسرهم ؟ ألا يكون العيد مكتمل الا برفقه الاهل؟
فلم يمضي على عيد وانا خارج الديار ( الخرطوم) ولمن اعش تلك اللحظات او اشعر بها حتي انني لم اخض في ذلك الحديث قط ولو كان ذلك عن طريق المجامله لاحد الزملاء فلا حديث لهم في هذه الأيام غير التجهيز للسفر فالبعض يقصد زميل تربطه علاقات مع أصحاب البصات السفرية واخر يعرف احد العاملين بموقع تحرك تلك البصات ( الميناء البري) لتسهيل الحجز للسفر ومنهم يترصد الموظفين أصحاب المركبات الخاصه لأجل السفر رفقتهم ( ميريا)
فاتي العيد و انا نازح خارج الديار ولم أبالي بحديث زملائي عن مواضيع السفر الا ان بعضهم أتاني متسائلا اين وجهتي هذا العام في البدء شعرت باستغراب حول هذا السؤال وهل انا المعني به ، وبرهة شعرت بصدمه وارتبط وجداني بالواقع وتيقنت انني المعني بذلك فلم استطيع الرد فليست من اجندتي السفر قاطعني احد الزملاء بحديث شجي وتناسينا حديث العيد
ومرت الايام وإذ بي استيقظ بعد منتصف الليل ولم يجول في خاطري الا حديث بدأته مع زملائي عن ذلك الموضوع فبدأ عقلي يسترجع بعض الحقائق التي كنت اهرب منها وانكرها أين اذهب لقضاء العطله؟ أين اهلي؟ أين الاحباب ؟ ولدتي سعيدة في الأراضي المقدسه واخواني في مناطق (بيتنا) احتلها مغتصب غاشم ولا اعلم عنهم شئيا وبعض اخواتي في أرض الطيبه ( كسلا) وعلوة علي ذلك اخي وسندي تحت التراب ( له الرحمه والمغفرة) فثبت لي جليا ان لا أهل لي موقع عملي(بورتسودان) ولا اهل لي خارج مسقط راسي ولا أمل أن اعودهم في منبتي ( سوبا شرق)
فحزنت لحالي حزن شديد وفاضت عيناي بالدموع فخالجني ضعف ووهن ونظرت لحالي وحال اسرتي فتششت وفرقه وضغوطات يعيشهاجميعنا فهنا أدركت بأن هنالك جرح لم تتضح معالمه وليس هنالك عيد وليس هنالك فرح أليس العيد فرح ؟ نعم فرح فاذا غاب الفرح تغيب معه كل معالم العيد ، تنهدت قليلا وعدت الي فراشي لاوصل النوم وضع حدا لتلك تلك التناقضات الفكرية
وفي صبيحة أليوم التالي إذ بصوت ينادي (اها ياحبيبنا ما حددت معيد وين) وقبل ان اعكف عليه بالرد باغتني بأن اذهب معه لداره ( امدرمان) لاعيد معه وبدأ يحفزني بحكاوي العيد ولذته في ام درمان واخر يقاطعه ويحكي عن جمال العيد في شندي واخر يحكي ….. فظل الجميع يقدم لي الدعوات لارافقهم للاحتفال معهم ، فهنا شعرت بثمة ملح يوضع علي جرحي فاشتدد الألم
وبدأ الجرح ينزف فعتذرت مكابرا بعدم الذهاب مع أي منهم وعللت ذلك بانني اريد ان ارتاح في هذه العطله فإنا احتاجها لشعوري بارهاق متراكم ومازلت أكابر حتي بدأت الأصوات تختفي واحد تلو الاخر مكان سكني فتيقنت باني صرت وحيدا وشعرت بجوع كأنني لم اتناول شي منذ ايام فبحث بارجاء السكن لشخص يرافقني لسد جوعي فحزنت كثيرا وفجاءة دخل زميلي ليخبرني بأنه جائع وبدأ يخبرني بأنه غدا سيسافر فمللت حديث السفر و لكن وجدت نفسي اخطره بانني أود السفر لكسلا واجرنا بعض الاتصالات حتي وفقنا بالحصول علي تذاكر بضعف ثمنها
فسبحان الله مغير الاحوال من حال الي حال فكنت الهجرة من الخرطوم لجميع ولايات السودان لاجل قضاء العيد مع الاهل وكنا من نقدم الدعوات لزملائنا لقضاء العيد معنا وكنا نجتمع مع الاهل والاحباب ونري ان ذلك شئ روتيني عادي فإن فقدنا نفقد من اختاره الله ليكون رفقته وأن تذكرنا نتذكر من هم بدول المهجر ولكن بين طرفة عين وغمضتها يغير الله الأحوال من حال الي حال
فصبحت حالنا برثي لها واصبحت الهجرية عكسية واصبحنا نشد الرحال للعيد في أماكن لم تخطها اقدامنا من قبل أصبحنا نبحث عن الاجتماع واللمة مع الاهل أصبحنا غرباء في ديار غيرنا أصبحنا غير سعداء والعيد يحل علينا فتغيرت معالم العيد لدينا وتغيرت معالم الجغرافيا لدينا فاصبح الموسم خلافا لما سبق اصبح موسم الهجرة الي الشرق فاليوم نعض علي نواجزنا ندما فلم نقدر قيمة تهانينا ودعواتنا لغيرنا ( ان شاء الله السنه الجاية تأمين ولامين) ولكن لا ينفع اليوم الندم
نسأل الله أن يعيدنا وجميع السودانين الي الديار وأن يعيد علينا العيد مجتمعين وفي احسن حال

