كتاب رائ وعالمية

حوازم مقدم تكتب.. السودان لا يُبنى بإقصاء المسيرية

الخرطوم| الان نيوز

في زمنٍ تعرّى فيه الكثيرون أمام نداء الوطن، ظلّت قبيلة المسيرية تسطّر مواقف الرجولة والوفاء بأحرف من نار ودم، وقدّمت فلذات أكبادها في ساحات الشرف دفاعًا عن تراب السودان ووحدته. لم تكن المسيرية يومًا على هامش المعارك ولا في مؤخرة الصفوف، بل كانوا -ولا يزالون- طليعة “حرب الكرامة”، يتقدّمون المتحركات القتالية بجرأة لا تكل، ويفتدون الأرض والعرض بشجاعة قلّ أن تجد لها مثيلًا.

 

من أبطال الفرقة ٢٢ في بابنوسة، إلى من يقاتلون على كافة المحاور العسكرية في السودان، هناك دومًا نفرٌ كريم من أبناء المسيرية، لا تتّسع المساحات لحصر أسمائهم ولا الكلمات لوفاء مواقفهم. يقاتلون من أجل وحدة السودان، ولو على الضفة الأخرى كان يقف شقيقهم، ممن ضلوا الطريق وانساقوا خلف وعود الدعم السريع التي استهدفت العقول الضعيفة.

 

لكن رجال المسيرية لم يترددوا لحظة في اتخاذ الموقف الصحيح، لا انتقامًا ولا ولاءً لفصيل، بل إيمانًا راسخًا بأن الدولة السودانية يجب أن تبقى موحّدة، بجغرافيتها الكاملة وسيادتها التامة.

 

أرض المسيرية ليست مجرد جغرافيا، بل هي قلب نابض في الجسد السوداني. فهي أول بقعة سودانية يُستخرج منها النفط، وموطن الصمغ العربي، ومرتع لأكبر قبيلة رعوية للأبقار في البلاد. ومع ذلك، لم يتباهَ أهلها بخيراتهم، ولم يمنّوا بها على أحد، بل اعتبروا ذلك واجبًا وطنيًا وأداءً مستحقًا تجاه وطنٍ يعشقونه كما يعشقون الحياة نفسها.

 

لقد قدّموا الشهداء، وصبروا على التهميش، وتحملوا وصمة باطلة ظلّت تلاحقهم زورًا بأنهم “حاضنة للدعم السريع”، بينما هم في الواقع، من أوائل من تمردوا عليه ورفضوا مشاريعه التفتيتية.

 

إن كانت الحكومة القادمة حكومة أمل وعدالة، فلتبدأ بتصحيح مظالم التمثيل وإشراك من قدّم وضحّى ووفّى. تمثيل المسيرية ليس ترفًا سياسيًا، بل حاجة وطنية لبناء سودان مستقر وشامل.

 

دعوا المسيرية لا يُعاملوا على أساس النظرة الأمنية فقط، بل انظروا إليهم كقوة مجتمعية تملك الرؤية والمقدرة والكفاءة. لقد آن أوان إنهاء النظرة الأحادية إلى مناطق الإنتاج على أنها مجرد “مخزون موارد”، دون تمكين الإنسان الذي يحرسها ويُعمّرها.

 

أنصفوا الرواية الحقيقية لأبناء المسيرية، وسلطوا الضوء على مشاركاتهم الفاعلة في الدفاع عن الوطن، واكسروا حاجز التنميط الذي جرى ترويجه عنهم زورًا.

 

إننا نبني وطنًا جديدًا على أنقاض الألم. فلتكن عدالة التمثيل حجر الأساس في البناء. لا تُقصوا من حارب عنكم في وقتٍ تخلى فيه آخرون.

 

اليوم، ونحن نخطو نحو ملامح جديدة لسودان ما بعد الحرب، يتوق المسيرية -كما كل السودانيين- لأن يكونوا شركاء حقيقيين في صناعة القرار الوطني. يتطلعون لحكومة “الأمل” بقيادة كامل إدريس أو أي مشروع وطني جامع، ويرون أنه من حقهم المشروع أن يكونوا ضمن تشكيلات الحقائب الوزارية القادمة، لا تفضّلًا، بل استحقاقًا حقيقيًا لما بذلوه من دماء وعرق وفكر.

 

المسيرية لم يطالبوا يومًا سوى بحقهم كجزء أصيل من هذا الوطن. لديهم الكفاءات، ولديهم الرؤية، ولديهم قبل ذلك وبعده، رصيد من التضحيات يجعلهم في الصف الأول من مراكز القرار.

 

لا يجوز للسودان الجديد أن يُبنى على إقصاء من كانوا درعه في زمن الخطر، ولا أن يستنسخ خطايا التهميش القديم. فالمسيرية، كما النوبة، والبجا، والبطاحين، وسائر قبائل السودان، يحلمون بوطنٍ يسع الجميع، ويُدار بعقول الجميع، ويحرسه الجميع.

 

إن السودان القادم يجب أن يرى في المسيرية شركاء لا مجرد مقاتلين، مواطنين لا مجرد متفرجين، ومؤسسين لا مجرد متلقين.

 

نعم، إن المسيرية يريدون أن يكونوا جزءًا من حكومة السودان الجديد، حكومة السلام والمصالحة والبناء، حكومة لا تُقصي من قدّم ولا تهمّش من بذل، حكومة تعترف بأن الوطن ليس جغرافيا فقط، بل إنسان، والإنسان المسيري كان دومًا في الخط الأمامي.

 

وافر الاحترام والتقدير

زر الذهاب إلى الأعلى