عند اندلاع الحرب في السودان، كنا نخشي من الانفلات الامني من الجماعات المسلحة بالبلاد ، لمعرفتنا السابقة بفوضي وانفلات قوات الدعم السريع.
لكننا تفاجأنا و صدمنا بصدمة لم نكن نتوقعها على الإطلاق، لقد صدمنا من أشخاص كنا نحسبهم احبابنا وإخوتنا وجيراننا وأصدقاءنا، حين رأينا من بعضهم خيانتهم للوطن وللجار والصديق والرفيق،وارهابهم بالسلاح، مستغلين الوضع الهش طمعًا في مكاسب لحظية.
و من المؤلم أن نرى من شاركونا اتراحنا وافراحنا و كنا نعتبرهم السند والأمان، ، فبدلًا من حماية بيوتنا، تحولوا الي نهابين تسللوا إلى منازل يدركونها جيدا وسرقوا متعلقاتها، بل لسرقة ونهب وارهاب لمجتمع خالطوه “الملح والملاح”
وهذا ما يعكس حالة من التراجع المؤسف في منظومة القيم التي نشأنا وتربينا عليها، كنا نؤمن بأن الجيرة لها حقوق ومبادئ، وأن الكرامة لا تُمس حتى في أقسى الظروف. كنا نتوقع أن تكون الجيرة حصنًا منيعًا أمام المحن، لكنها في كثير من الحالات تحوّلت إلى مصدرٍ للألم.
حينما اضطر آلاف الاسر للنزوح بحثًا عن الأمان، تاركين خلفهم ممتلكاتهم، كانوا يظنون أنهم سيتركونها في أيادي امينة و لكن المفاجأة أن بعض هذه الأيادي نهبت وسرقت، في الوقت الذي كنا فيه بحاجة للتعاضد والتكاتف.
ما دفعنا هذا الواقع المرير للتأمل في أنفسنا أكثر من تأملنا في مأساة الحرب، لقد خسرنا الكثير، بل في النفوس التي كنا نراها طاهرة نقية، فإذا بها تنكشف القناع في لحظة اختبار.
وما نحتاجه اليوم غربلةٍ أخلاقية تعيد ترتيب الأولويات، وتفرز من بيننا من يستحق أن يكون جزءًا من مجتمع يريد بناء وطن، لا بمن يكتفي بجني الغنائم من تحت ركامه، وسرقة ونهب المنازل.
ما نعيشه اليوم يجب ان يكون بداية الحياة لإعادة بناء منظومة الثقة، وترميم القيم التي تهدمت، وتعزيز شعورنا الجماعي بالمسؤولية، تجاه بعضنا البعض.

