انتخابات إثيوبيا 2026 مهزلة و تتويج لابي أحمد قابلها الشعب الإثيوبي بسخرية قاسية
الخرطوم| الآن نيوز

ترجمة وعرض *عبد القادر الحيمي*كاتب مستقل، باحث في القرن الافريقي………. أعلنت نتائج الانتخابات الإثيوبية التي أجريت في الأول من يونيو الحالي بفوز حزب الرخاء وهو الحزب الحاكم باغلبية مطلقة مكنته من الحصول على 90% من مقاعد البرلمان.
وفي ظل تهديدات ومخاوف أمنية ومقاطعة شعبية أجريت الانتخابات فقط في 143 دائرة انتخابية في كل من إقليم أوروميا الذي يعدان أكبر الأقاليم الإثيوبية مساحة والأكثر تعدادا سكانيا .. بينما لم تجري الانتخابات على الإطلاق في إقليم تقراي شمال إثيوبيا
جائت نتائج الانتخابات مطابقة للتوقعات الخارجية والداخلية نظرا لأحزاب المعارضة الضعيفة وافتقارها للتمويل المالي بينما لم تشارك احزاب المعارضة الأساسية ومع ذلك كانت هناك عمليات تزوير كبيرة في بطاقات الاقتراع.
سوف يعقد البرلمان الجديد أولى جلساته في الأول من أكتوبر القادم وسينتخب ابي أحمد رئيسا للحزب الحاكم ” الرخاء” وبالتالي رئيسا للوزراء لدورة مدتها خمسة سنوات .
وصف المعارض الإثيوبي المقيم في المنفى *جيرمان كبيدي* الانتخابات قائلا : ( هذه ليست *ديمقراطية* *بل قناع جنازة لأمة تحتضر*) فبينما تتحدث حكومة آبي أحمد عن الانتخابات يحترق إقليمي امهرا وأوروميا وتمطر الطائرات المسيرة الموت من السماء.)
فيما صرح المعارض الأورومي الأبرز على المشهد الإثيوبي *جوهر محمد*( *في إثيوبيا، حصل الحزب الحاكم على 90% من مقاعد البرلمان وتبرع بالـ 10% المتبقية للمعارضة التي تم استمالتها*).
وذهب الصحفي الإثيوبي *مختار اسماعيل* للقول : لم تكن ابدا الانتخابات َوطنية بالمعنى الحقيقي لأنها لم تجر إطلاقا في إقليم تقراي ولم تشمل أجزاء كبيرة في إقليمي امهرا وأوروميا وذلك نسبة لانعدام الأمن بفعل الحرب التي يخوضانها كل من جيش تحرير اوروميا *OLA* وقوات الأمهرة *FANO* مما حرم ملايين الإثيوبيين من المشاركة الفعالة. ففي أمهرة 98% من الإقليم وكذلك 95% من إقليم اوروميا كانتا خارج الانتخابات إضافة إلى إقليم تقراي.
لم تكن الانتخابات طبيعية في بئة آمنة وبلد ينعم بالسلام، بل جرت في ظل خضم صراع مُشتعل وتضييق للمساحة المدنية وخوف سياسي عميق لدرجة الإرهاب.
لذلك كانت عملية انتخابية افتقدت التنافس الحقيقي، لأنه لم يترشح سوى مرشحي الحزب الحاكم *الرخاء* وهذا مما لاشك فيه لايعد تنافسا انتخابيا بل *هيمنة هيكلية*.
لم يسمح *للمعارضة الحقيقية المنافسة بحرية قط* لذا لم تستطع أحزاب المعارضة القيام بحملات انتخابية علنية، أو تجنيد وحشد المؤيدين بحرية، أو حتى تأمين أماكن لعقد اجتماعات عامة. وقد شكّلت المضايقات والاعتقالات وعوائق الترخيص والترهيب والعرقلة الإدارية المشهد السياسي قبل يوم الانتخابات بوقت طويل.
زيف الحزب الحاكم مظهر التعددية. ففي بعض المناطق، تركت دوائر انتخابية مختارة دون منافسة، ليس للسماح بمنافسة حقيقية، بل لخلق انطباع بوجود برلمان أكثر تنوعًا دون المخاطرة *بالمشاركة بالسلطة*.
استخدمت إجراءات يوم الاقتراع للتغطية على الإكراه الذي سبق الانتخابات. لم يكن السؤال أبدًا ما إذا كانت بعض مراكز الاقتراع قد فُتحت بسلاسة، بل كان السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الإثيوبيون قد مُنحوا *خيارا وطنيًا حرا وشاملا وتنافسيا حقيقي) _*. لم يُمنحوا هذا الخيار.
جرى تضييق نطاق الإعلام المستقل والمساحة المدنية بشكل ممنهج. قامت الحكومة بتكميم أفواه وسائل الإعلام المستقلة، ومضايقة المنتقدين، وتقييد الحوار والنقاشات العامة، ما حال دون إجراء انتخابات ذات مغزى أو نزيهة.
تم استبعاد الملايين فعليا من الاقتراع في أكثر من نصف إثيوبيا أي نصف الاثيوبيين ، لم تكن هناك ظروف حقيقية تُمكّن الناس من المشاركة بحرية وأمان. نحن نتحدث عن ملايين وملايين من المواطنين الذين يعيشون في ظل انعدام الأمن المصاحب للخوف والإقصاء التام.
لهذا السبب وصفها العديد من المراقبين والإثيوبيين على حد سواء بأنها لم تكن َتفويضا ديمقراطيا بل مسرحية لتتويج ابي أحمد لدورة رئاسية ثانية، وأنها في الواقع كانت انتخابات صورية مخططة ومدبرة لإضفاء الشرعية لنظام آبي احمد.
تحت عنوان *من الفوز بجائزة نوبل للسلام إلى إشعال حروب لا تنتهي وإراقة الدماء*- كتب الناشط الإثيوبي *أولى زاقارو*
*صعود وسقوط رئيس الوزراء آبي أحمد*
بعثت إثيوبيا من جديد تحت قيادة آبي أحمد، الذي وعد بـ”فجر جديد” بإطلاقه سراح السجناء السياسيين ودعوة المعارضين المنفيين للعودة إلى الوطن. وبحلول عام 2019
كان يقف في أوسلو عاصمة السويد يستلم جائزة نوبل للسلام لمبادرته في حل أزمة الحدود مع إريتريا التي استمرت عشرين عاماً. إلا أن صورة صانع السلام المبتسم هذه قد استبدلت بواقعٍ أكثر قتامة، إذ يرى النقاد أن مسيرته تعد *عبرة تحذيرية* عن مدى سرعة تحول المصلح إلى حاكمٍ مستبد يتلاعب بالرأي العام لترسيخ سلطاته.
لسعيه في الاستحواذ على السلطة بالكامل وترسيخ السلطة في يده بدأ في زراعة بذور الفتنة بان دمج أحزاب الائتلاف الحاكم الأربعة وكانت هي الحزب الحاكَم الأوحد القائم على أساس عرقي بائتلاف شعوب التقراي والامهرة والاورومو وشعوب الجنوب، في حزب واحد هو ” *الرخاء** برر ذلك بهدف تماسك الوحدة الوطنية بينما رأت بقية شعوب الأقاليم الإثيوبية لاسيما التقراي محاولة لتفكيك النظام الفيدرالي الذي نعمت به الأقاليم من هيمنة السلطة. المركزية في أديس أبابا وايضا لتركيز ابي أحمد السلطة في يده.
بلغ التوتر أوجه العامَ 2020. بعد أن تحدت جبهة تحرير شعب تقراي الحظر الفيدرالي المفروض على إجراء الانتخابات الإقليمية، شنّ آبي أحمد هجومًا عسكريًا واسع النطاق على إقليم تقراي. وما وعد به من عملية سريعة لفرض القانون، تحوّل إلى حرب أهلية استمرت عامين، اتسمت بالمجازر والتطهير العرقي والمجاعات الَمفتعلة بمنع الحكومة إمدادات الغذاء لإقليم تقراي، والجوع هو أحد الأسلحة المتعارف عليها في الحروب الإثيوبية.
عندما حان أوان تلك الانتخابات حسب الدستور رفض ابي أحمد إقامتها متحججا بجائحة الكورونا وقتها لكن السبب الحقيقي لو سمح وقتها بإقامتها لن ستكون نتائجها في صالحهه فعلن الحرب ضد إقليم تقراي.
أصبح إرث جائزة نوبل للسلام التي مُنحت لآبي أحمد عام 2019 *موضع تدقيق عالمي*. فبينما كرمت الجائزة مبادرته الحاسمة تجاه إريتريا، يصف المحللون مسيرته الآن بأنها ” *قصة تحذيرية* ” عن أمل غربي في غير محله في زعيم بطل. واتخذت لجنة نوبل خطوة نادرة بانتقادها العلني للفائز، مشيرةً إلى “*مسؤولية ابي احمد الخاصة*” في إنهاء العنف، مع العلم أن الجائزة نفسها لا يمكن سحبها. ويصف العديد من مراقبي السياسة والتاريخ الإثيوبي آبي أحمد بأنه “*بلطجي متعطش للدماء مصاب بسكر السلطة*” – بضم السين – لا يحترم حرمة الحياة البشرية مع أن تسرع لجنة نوبل في إصدار الحكم سعيًا وراء السلام أمر مفهوم، إلا أن منح الجائزة لأبي أحمد في غير محلها يُقدّم درسًا بليغا للتقييمات المستقبلية.
*الآثار الكارثية للاقتصاد الإثيوبي؟*
بالتوازي مع الاضطرابات السياسية، انهار برنامج إصلاحات “أبيين الاقتصادية” ليُفضي إلى أزمة اقتصادية حادة. في ديسمبر/كانون الأول 2023، تخلّفت إثيوبيا رسميًا عن سداد ديونها بعد عجزها عن سداد دفعة من سندات اليوروبوند بقيمة 33 مليون دولار. ورغم حصولها على قرض إنقاذ من صندوق النقد الدولي بقيمة 3.4 مليار دولار في عام 2024، إلا أن البلاد تواجه كابوسًا من غلاء المعيشة. وقد أدّى قرار الحكومة بتعويم العملة إلى انخفاض حاد في قيمتها، وظلّ التضخم متقلبًا حتى مع تحديد هدف لعام 2025 بنسبة 10-11%. وتصاعد الغضب الشعبي إزاء مشاريع “الفيل الأبيض” التافهة، مثل المقر الرئاسي الجديد الذي تُقدّر تكلفته بـ 15 مليار دولار، وعندما يصرح ابي أحمد واعلامه عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح وان إثيوبيا تنتج ثلاثة أضعاف ما تنتجه مصر من القمح، هناك *20 مليون مواطن اثيوبي* بحاجة إلى مساعدات غذائية طارئة، في الربع الأول لهذا العام. ويعاني قطاع التصنيع من تراجع حاد نتيجة فقدان الوصول إلى التجارة واستمرار النزاع والحروب الداخلية.
*سمات الطاغية ابي أحمد*
مع تصاعد الحرب، تبددت الإصلاحات الديمقراطية التي أُعلنت عام 2018. وعادت حكومة آبي إلى الأساليب نفسها التي كان قد أدانتها وحاربتها سابقًا:
إسكات المعارضة بسُجن صحفيون مستقلون وشخصيات معارضة بموجب قوانين مكافحة الإرهاب الشاملة.
*قطع الاتصالات الرقمية*.: دأبت الحكومة على شكل متكرر على قطع خدمات الإنترنت والهاتف عن المناطق التي تشهد عمليات حربية و المتضررة من النزاع، متسترةً على انتهاكات حقوق الإنسان.
*عبادة الشخصية*: حوّلت وسائل الإعلام الحكومية تركيزها نحو تمجيد آبي كشخصية منقذة، لا غنى عنها لبقاء الأمة.
تجسد إدارة ابي أحمد هشاشة الإصلاح المركزي المفروض من أعلى إلى أسفل ضمن إطار فيدرالي متعدد الأعراق. ويؤكد التحول من جهود التحرير التي بُذلت عام 2018 إلى نموذج “*الوحدة بالقوة*” لعام 2026 على التراجع نحو الاستبداد، حيث ضُحّي بالتعددية السياسية في سبيل توطيد سلطة الدولة. يشير هذا المسار، الذي تميز بالتخلف عن سداد الديون السيادية عام 2023 وظهور حركات تمرد راسخة كحركة فانو وجيش تحرير الأورومو! OLA وإقليم. تقراي الذي صار انفصاله أمرا واقعا ، يشير إلى أن نموذج الحكم الذي يتبناه حزب *الرخاء* قد وصل إلى طريق مسدود هيكليًا.
.
في 19 يوليو الحالي نشر تقرير في موقع أفريقيا الإليكتروني *أيوب تيلاهون ابيرا* الكاتب المستقل وهو محاضر سابق في جامعة دبري تابور جاء فيه :
إن إثيوبيا هي ثان أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، *130 مليون نسمة* والتي طالما اعتبرت ركيزة للاستقرار ودولة محورية في القرن الأفريقي، وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الحرب تتسم بتزايد حالة عدم اليقين. فمنذ اندلاع حرب ت،، تقراي، التي امتدت لاحقًا إلى الأقاليم الإثيوبية المجاورةت، باتت البلاد تعرف بشبكة متنامية من الأزمات المتداخلة، والتمردات المسلحة، والعلاقات المتوترة مع تلك الأقاليم وذلك بفعل
وعود سياسية لم تنفد
إلى أزمة دائمة بعد اتفاقية بريتوريا، التي أنهت رسمياً الأعمال العدائية مؤقتاً في تقراي، فحوّل رئيس الوزراء آبي أحمد تركيزه العسكري بشكل رئيسي إلى إقليم أمهرا. ومنذ ذلك الحين، تواجه أمهرا أزمة متفاقمة ومعقدة تتسم بخسائر فادحة في الأرواح، ونزوح واسع النطاق، وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتدهور اقتصادي متزايد.
أحدث التطورات في المشهد الأمني الإثيوبي
التحول من حرب أهلية محدودة نسبياً إلى حرب تشمل أطرافاً متعددة. ورغم أن اتفاقية بريتوريا أنهت القتال الفعلي في تقراي، إلا أنها لم تعالج الأسباب السياسية والهيكلية العميقة لعدم الاستقرار. فبدلاً من أن يهدأ العنف، انتقلت الحرب جغرافياً وتوسعت، لتصبح أكثر انتشاراً وضراوة، وتعتمد بشكل كبير على غارات الطائرات المسيرة.
وتوسعت الحرب في إقليم أمهرا ومقاطعات ووليغا في أوروميا، وتواصل حركة أمهرا فانو الوطنية تحدي النظام، وتزداد تنسيقها في محافظات امهرا الثلاثة وتزداد فاعلية ، مما يقلل من سيطرة الحكومة ونفوذها في الإقليم.
بينما لا يزال جيش تحرير أورومو صامداً في أوروميا رغم سنوات من الحملات العسكرية. في غضون ذلك، تظهر بوادر انهيار التسوية السياسية الهشة في تقراي، مما يزيد من خطر تجدد الصراع على نطاق أوسع.
*الحرب في السودان تساهم في تعقيد الأوضاع الأمنية في اثيوبيا*:
وقد زادت الحرب الأهلية المستمرة في السودان من تعقيد الوضع الأمني في إثيوبيا. وأدى الصراع إلى تدفق الأسلحة وإضعاف إدارة الحدود.
ويكمن الخطر الرئيسي في هذه المرحلة في التزامن. فحتى بدون تحالف رسمي، يمكن لعدة حركات تمرد نشطة أن تمارس ضغطاً مشتركاً على مؤسسات الدولة. وتشير التطورات الأخيرة إلى تزايد التوافق السياسي والاستراتيجي والتحالف الكامل المرتقب بين مختلف الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة
يبقى مصير هذا التعاون، وما إذا كان سيتحول إلى عمل منسق، غير مؤكد، لكن مجرد احتمال حدوثه يُضيف بُعدًا جديدًا من التعقيد إلى البيئة الأمنية في إثيوبيا. ومنذ بدء مناقشة هذه التحالفات، يبدو أن الحكومة في حالة قلق بالغ والنتيجة واضحة.
وقد زادت الحرب الأهلية المستمرة في السودان من تعقيد الوضع الأمني في إثيوبيا. وأدى الصراع إلى تدفق الأسلحة وإضعاف إدارة الحدود على طول الحدود الغربية لإثيوبيا. كما أضافت تورط إثيوبيا بالوكالة في حرب السودان، والمرتبطة بدعم قوات الدعم السريع، بُعداً آخر من المخاطر الجيوسياسية إلى المشهد.
ورغم أن الجهود الدبلوماسية حالت دون تصعيد مباشر، إلا أن الخلافات الكامنة لا تزال قائمة وتشكل تهديداً مستمراً للاستقرار الإقليمي على المدى البعيد.
*وبالتالي، لم يعد بالإمكان النظر إلى الصراعات الداخلية في إثيوبيا بمعزل عن سياقها، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من سياق أمني إقليمي أوسع، حيث تستطيع الدول المجاورة التأثير على التطورات الداخلية من خلال الدبلوماسية والشراكات الأمنية والتحالفات*
، تتسم بتزايد تداخل الحروب مع خطر اندلاع حرب أوسع نطاقًا. ومع تلاشي التمييز بين حركات التمرد الداخلية والجيوسياسة الإقليمية، يُحتمل أن يؤدي ذلك إلى سقوط حكومة ابي أحمد.

