كتاب رائ وعالمية

المحامي والمستشار القانوني عبدالله بيكه يكنب.. السودان بين أوهام العظمة وأسئلة الواقع

الخرطوم | الآن نيوز

يعيش السودان اليوم واحدة من أحرج اللحظات في تاريخه الحديث، بين موروث بلاغي يستحضر العظمة التاريخية وشعارات سلة غذاء العالم والرابط الإستراتيجي بين إفريقيا والعالم العربي، وواقع استثنائي أليم يطرح أسئلة وجودية حارقة حول ماهية الدولة، ومصير الإنسان، وآفاق المستقبل. لقد أسهم الاعتماد المفرط على المقولات الذهنية الجاهزة واستدعاء الأمجاد المتخيلة، دون الاقتران برؤية تنموية حقيقية أو إرادة سياسية صلبة، في تكريس حالة من الاستغراق في التغني بالإمكانيات الكامنة والمعطلة. هذا العجز عن ترجمة الأفكار الكبيرة إلى واقع ملموس تسبب في اتساع الفجوة بين ما يفترض أن ينعم به السودان من ثروات مائية وزراعية ومعدنية، وبين المأزق الاقتصادي والمعيشي والسياسي الممتد منذ عقود، حتى غدت الشعارات الفضفاضة بديلا عاجزا عن بناء المؤسسات وإدارة التنوع وتطوير الاقتصاد.

يضع هذا التباين الحاد السودانيين ومؤسساتهم النخبوية والاجتماعية أمام أسئلة مفصلية لا يمكن تجنبها أو إرجاؤها وفي مقدمتها سؤال الدولة الوطنية الحديثة كيف يمكن إعادة إرساء مؤسسات ذات شرعية وسيادة تتولى احتكار أجهزة الدفاع والأمن بشكل وتنهي حالة التشرذم الأمني وتمدد التشكيلات المسلحة والمليشيات؟ ويرافق ذلك سؤال الهوية والمواطنة: كيف يتسنى صياغة عقد اجتماعي جامع يعترف بالتنوع العرقي والثقافي والديني كعنصر إثراء لا عامل تفكيك، ويبني نظاما يحمي الحقوق والمتطلبات دون تمييز أو تهميش؟ وعلى الجانب الاقتصادي يتجلى سؤال التنمية في كيفية الانتقال بالموارد والفرص المهدورة إلى مشروعات إنتاجية حقيقية توفر العيش الكريم، وتضع حدا لمآسي الفقر والنزوح الداخلي واللجوء.

إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يقتضي الانتقال الفوري والملموس من مرحلة التشخيص الشعاراتي وخطابات العاطفة إلى مرحلة التفكير العملي والتخطيط الواقعي ويتطلب ذلك بالضرورة إجراء مراجعة شجاعة ونقدية لمسار التجربة السياسية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا عبر الإيقاف الشامل للحرب، وتفكيك شبكات النفوذ واقتصاد الحرب، والبدء في وضع ركائز حكم رشيد يرتكز على سيادة القانون، ودولة المؤسسات، والمواطنة المتساوية. فالدول لا تبنى فقط بما تملكه في باطن أرضها أو بين حدودها من خيرات، وإنما تكتسب عظمتها الحقيقية من قدرة مجتمعاتها على إدارة الواقع بكل تعقيداته، وتحويل الموارد إلى أمان واستقرار وتنمية ملموسة تطال كافة المواطنين.

زر الذهاب إلى الأعلى