
اطلع رئيس الوزراء، كامل إدريس، اليوم الأحد، على خارطة الطريق المشتركة مع صندوق النقد الدولي بشأن معالجة وإعفاء ديون السودان، في إطار مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون «الهيبك» (HIPC)، وذلك خلال تنوير قدمه وزير الدولة بوزارة المالية، محمد نور الدائم.
وتناول اللقاء، إلى جانب ملف الديون الخارجية، مسار الإصلاح المالي في الدولة والسياسات التي تعمل وزارة المالية على تنفيذها لإعادة بناء المالية العامة وتعزيز الإيرادات وترشيد الإنفاق ورفع كفاءة مؤسسات الدولة، فضلاً عن الجهود الرامية إلى إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، بما في ذلك قطاعات النقل البحري والجوي، والناقل الوطني «سودانير».
إصلاح المالية العامة
وأوضح وزير الدولة بالمالية أن التنوير الذي قدمه لرئيس الوزراء شمل حزمة من الإجراءات المتعلقة بإصلاح المالية العامة، من بينها إصلاح وتصميم نظام المشتريات والتعاقدات الحكومية، وإنشاء منصة إلكترونية للعطاءات، إلى جانب الشروع في حوسبة الأجور وتطبيق معايير المحاسبة الدولية في المؤسسات القومية.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تواجه فيه الدولة تحديات كبيرة في إدارة الموارد العامة، في ظل الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي وتضرر قطاعات الإنتاج والتجارة والبنية التحتية، الأمر الذي يجعل إصلاح النظام المالي أحد الشروط الأساسية لاستعادة الاستقرار الاقتصادي وتحسين قدرة الدولة على إدارة مواردها.
كما ناقش اللقاء جهود وزارة المالية في حشد الدعم الدولي من المؤسسات والمنظمات المالية، وإعادة بناء العلاقات مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بما يتيح للسودان استعادة قدرته على الوصول إلى التمويل التنموي الميسر.
خارطة طريق الديون
ويكتسب ملف الديون أهمية خاصة بالنسبة للسودان، إذ ظل عبء الدين الخارجي أحد أكبر القيود على الاقتصاد السوداني لعقود، نتيجة تراكم القروض والمتأخرات والفوائد وغرامات التأخير، ولا سيما منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وكان السودان قد قطع خطوة تاريخية في يونيو 2021 عندما وصل إلى نقطة القرار ضمن مبادرة «الهيبك»، وهي المرحلة التي تفتح الطريق أمام تخفيض كبير للدين الخارجي، بشرط تنفيذ مجموعة من الإصلاحات والوصول لاحقاً إلى نقطة الإنجاز.
ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في ذلك الوقت، بلغ إجمالي الدين العام الخارجي للسودان نحو 56.2 مليار دولار بالقيمة الحالية الصافية في نهاية 2020. وكان من المتوقع، في حال استكمال عملية الهيبك ومشاركة جميع الدائنين، أن ينخفض عبء الدين إلى نحو 6 مليارات دولار فقط، أي انخفاض يتجاوز 90 في المائة من العبء الخارجي.
غير أن السودان لم يصل إلى نقطة الإنجاز النهائية حتى الآن. وتؤكد بيانات صندوق الائتمان الخاص بتخفيف الديون في البنك الدولي أن السودان لا يزال الدولة التي وصلت إلى نقطة القرار ولم تبلغ نقطة الإنجاز، في حين وصلت الصومال إلى نقطة الإنجاز في ديسمبر 2023.
ما هي مبادرة «الهيبك»؟
أطلق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون عام 1996 بهدف تخفيف أعباء الديون عن الدول الأشد فقراً التي لا تستطيع خدمة ديونها بصورة مستدامة.
ولا يعني دخول الدولة في المبادرة إلغاء ديونها بصورة تلقائية؛ إذ تمر العملية بمرحلتين رئيسيتين: نقطة القرار ثم نقطة الإنجاز. وفي المرحلة الأولى تحصل الدولة على تخفيف مؤقت للديون، بينما يصبح الجزء الأكبر من تخفيض الدين نهائياً عند استكمال الإصلاحات المطلوبة والوصول إلى نقطة الإنجاز.
وبالنسبة للسودان، ارتبطت عملية تخفيف الديون بإصلاحات في المالية العامة، والحوكمة، والشفافية، وإدارة سعر الصرف، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتعزيز قدرة الدولة على إدارة مواردها.
من أين جاء الدين السوداني؟
تتميز تركيبة الدين الخارجي السوداني بتعدد مصادره. فالدائنون ينقسمون بصورة أساسية إلى مؤسسات مالية دولية، ودول ثنائية، ودائنين تجاريين.
وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي عن نهاية عام 2020، شكل الدين الثنائي الرسمي نحو 77.9 في المائة من إجمالي مخزون الدين، موزعاً بين دول نادي باريس ودول من خارج النادي. وبلغت حصة دول نادي باريس نحو 42 في المائة، مقابل نحو 36 في المائة للدائنين الثنائيين من خارج النادي، فيما مثل الدائنون التجاريون نحو 11.5 في المائة.
أما على مستوى الدائنين متعددي الأطراف، فكان أبرزهم البنك الدولي عبر المؤسسة الدولية للتنمية، وصندوق النقد الدولي، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، حيث شكلت هذه الجهات الثلاث مجتمعة نحو 72 في المائة من الدين متعدد الأطراف للسودان في نهاية 2020.
أكبر الدول الدائنة للسودان
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن أكبر الدائنين من خارج نادي باريس كانوا الصين والكويت والمملكة العربية السعودية، إذ شكلت هذه الدول الثلاث أكثر من 79 في المائة من ديون السودان المستحقة للدائنين من هذه المجموعة.
وتشير بيانات منشورة في عام 2021 إلى أن الكويت كانت أكبر دائن ثنائي للسودان، بنحو 9.8 مليارات دولار، ضمن ديون السودان المستحقة لدول خارج نادي باريس، بينما جاءت الصين والسعودية ضمن كبار الدائنين أيضاً. وكان إجمالي ما يدين به السودان لدول خارج نادي باريس يقدر بنحو 20.3 مليار دولار في ذلك الوقت.
أما داخل نادي باريس، فكانت فرنسا والنمسا والولايات المتحدة من أكبر الدائنين للسودان، بحسب بيانات صندوق النقد الدولي، فيما شملت قائمة الدائنين دولاً أوروبية والولايات المتحدة واليابان وروسيا وغيرها.
ماذا حدث لديون السودان في 2021؟
كان عام 2021 نقطة تحول مهمة في ملف الديون السودانية. ففي يونيو من ذلك العام، أعلن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصول السودان إلى نقطة القرار في مبادرة الهيبك.
وفي يوليو 2021، توصل السودان إلى اتفاق مع نادي باريس لإعادة هيكلة ديونه. وكان رصيد الدين المستحق لدول النادي يبلغ نحو 23.5 مليار دولار في نهاية 2020، أكثر من 99 في المائة منه عبارة عن متأخرات وفوائد تأخير.
وبموجب الاتفاق، أُلغي نحو 14.1 مليار دولار من الديون، بينما أُعيدت جدولة نحو 9.4 مليارات دولار، على أن تتم معالجة الجزء المتبقي بصورة أوسع عند الوصول إلى نقطة الإنجاز في مبادرة الهيبك.
وضم نادي باريس الذي شارك في إعادة هيكلة ديون السودان كلاً من فرنسا، والولايات المتحدة، وألمانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، واليابان، وكندا، وبلجيكا، والنمسا، وإسبانيا، وروسيا، والنرويج، والدنمارك، وهولندا، وسويسرا وإيرلندا.
هل أعفت الدول ديون السودان بالكامل؟
هنا تبرز أهمية التمييز بين إلغاء الدين فعلياً، وإعادة جدولته، والتعهد بإلغائه مستقبلاً.
ففي عام 2021، ألغى اتفاق نادي باريس نحو 14.1 مليار دولار من الديون، لكنه لم يكن يمثل الإلغاء النهائي لكل ديون السودان الخارجية. كما تعهدت دول النادي بتقديم تخفيضات إضافية عند وصول السودان إلى نقطة الإنجاز في الهيبك، مع إعلان معظم دول النادي استعدادها، من حيث المبدأ، لتقديم إلغاء إضافي يصل إلى 100 في المائة من المطالبات المشمولة عند استيفاء الشروط.
وفي الإطار نفسه، أعلنت فرنسا استعدادها للمساهمة في تخفيف ديون السودان، كما قدمت قرضاً جسراً بقيمة 1.5 مليار دولار لمساعدة السودان على تسوية متأخراته لدى صندوق النقد الدولي، وهو إجراء مختلف عن إلغاء الدين الثنائي نفسه.
كما ساهمت بريطانيا في عملية تسوية متأخرات السودان للمؤسسات المالية الدولية؛ فقد قدمت قرضاً جسراً بقيمة 148 مليون جنيه إسترليني للمساعدة في تصفية متأخرات السودان لدى بنك التنمية الأفريقي، إضافة إلى مساهمتها في ترتيب تسوية متأخرات السودان لدى صندوق النقد الدولي.
وبالتالي، فإن القول إن «الدول أعفت السودان من كل ديونه» غير دقيق؛ الأدق هو أن السودان حصل على تخفيف وإعادة هيكلة وإلغاء جزئي للديون، مع وجود التزامات وتعهدات بتقديم تخفيضات إضافية عند استكمال مسار الهيبك.
ماذا عن الصين والكويت والسعودية؟
يمثل هذا الجانب الاختبار الأهم أمام خارطة الطريق الجديدة، لأن جزءاً كبيراً من الدين السوداني مستحق لدائنين من خارج نادي باريس.
وتظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن الصين والكويت والسعودية هي أكبر ثلاثة دائنين للسودان ضمن مجموعة الدائنين الثنائيين من خارج نادي باريس. ولذلك فإن الوصول إلى تخفيض شامل ومستدام للدين يتطلب معالجة هذه الديون إلى جانب ديون نادي باريس والمؤسسات متعددة الأطراف.
وفي اتفاق نادي باريس لعام 2021، شاركت الكويت والسعودية والإمارات والتشيك بصفة مراقبين، وأشارت وثائق النادي إلى استعداد الكويت والسعودية وصندوق أبوظبي للتنمية والتشيك لتقديم معالجة لديون السودان بشروط مماثلة لتلك التي قدمها نادي باريس. إلا أن ذلك لا يعني تلقائياً أن كامل الديون المستحقة لهذه الجهات قد أُلغي بالفعل.
المتأخرات تضخم حجم الدين
ومن العوامل المهمة في فهم أزمة الديون السودانية أن جزءاً كبيراً من الرقم الإجمالي لا يمثل قروضاً جديدة حصلت عليها الحكومات السودانية في السنوات الأخيرة، وإنما متأخرات وفوائد وغرامات تأخير تراكمت على مدى عقود.
وتوضح بيانات نادي باريس أن أكثر من 99 في المائة من رصيد الدين المستحق له من السودان في نهاية 2020 كان عبارة عن متأخرات وفوائد تأخير. ويرجع تاريخ القطع المستخدم في معالجة ديون السودان لدى نادي باريس إلى 1 يناير 1984.
ولهذا ارتفع الدين الاسمي بصورة كبيرة عبر السنوات، حتى تجاوز إجمالي الدين الخارجي العام والمضمون حكومياً 56 مليار دولار وفق تقديرات عام 2020.
لماذا يمثل إعفاء الديون أهمية للسودان؟
لا تقتصر أهمية تخفيف الدين على إسقاط أرقام محاسبية من دفاتر الدولة، بل تمتد إلى قدرة الحكومة على توجيه الموارد نحو قطاعات الإنتاج والخدمات.
فكلما انخفضت الالتزامات الخارجية، تحسنت قدرة الدولة على استخدام مواردها في تمويل قطاعات مثل الزراعة والصناعة والنقل والطاقة والصحة والتعليم بدلاً من توجيهها إلى خدمة المتأخرات والفوائد.
كما أن استكمال مسار الهيبك من شأنه أن يساعد السودان على إعادة بناء علاقته بالمؤسسات المالية الدولية، وتحسين فرص الحصول على تمويل تنموي ميسر، وفتح المجال أمام استثمارات جديدة.
وقد ساعدت تسوية المتأخرات مع البنك الدولي في 2021 السودان على استعادة الانخراط الكامل مع مجموعة البنك الدولي، وفتحت الطريق أمام تمويلات ومنح جديدة. كما أسهمت تسوية متأخرات صندوق النقد الدولي والبنك الأفريقي للتنمية في إزالة عقبات رئيسية أمام إعادة دمج السودان في النظام المالي الدولي.
التحدي الجديد
وتأتي خارطة الطريق التي ناقشها رئيس الوزراء مع وزارة المالية وصندوق النقد الدولي في ظروف مختلفة عن تلك التي كانت قائمة عند وصول السودان إلى نقطة القرار في 2021.
فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أحدثت صدمة واسعة للاقتصاد السوداني، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، وأضعفت الإيرادات العامة والنشاط التجاري، ما يجعل استكمال إصلاح المالية العامة وإعادة بناء مؤسسات الدولة شرطاً أساسياً لأي تقدم في ملف الديون.
ومن هنا تبرز أهمية الربط بين إصلاح المالية العامة، وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، وحشد الدعم الدولي، وتسوية الديون باعتبارها مسارات مترابطة وليست ملفات منفصلة.
خلاصة
يمثل ملف الديون الخارجية واحداً من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية في السودان. فقد قطع السودان في 2021 خطوة كبيرة بوصوله إلى نقطة القرار في مبادرة الهيبك، ونجح في الحصول على إلغاء وإعادة جدولة جزء كبير من ديونه، خصوصاً مع نادي باريس.
لكن الجزء الأكبر من عملية الإعفاء الشامل لا يزال مرتبطاً باستكمال شروط نقطة الإنجاز والحصول على تعاون جميع الدائنين، بما في ذلك الدائنون من خارج نادي باريس، وفي مقدمتهم الصين والكويت والسعودية، إلى جانب المؤسسات المالية الدولية والدائنين التجاريين.
وعليه، فإن خارطة الطريق الجديدة مع صندوق النقد الدولي تمثل محاولة لإعادة تحريك ملف بدأ قبل سنوات وتعرقل بفعل التطورات السياسية والاقتصادية والحرب، بينما سيكون نجاحها مرتبطاً بقدرة السودان على استعادة مؤسسات الدولة، وإصلاح المالية العامة، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، واستعادة الإنتاج والصادرات، ثم استكمال التفاوض مع الدائنين للوصول إلى تخفيض نهائي ومستدام للديون.
أبرز الأرقام:
– إجمالي الدين العام الخارجي للسودان في تقديرات 2020: نحو 56.2 مليار دولار بالقيمة الحالية الصافية.
– الدين المتوقع بعد استكمال الهيبك ومشاركة الدائنين: نحو 6 مليارات دولار.
– الدين المستحق لدول نادي باريس في نهاية 2020: نحو 23.5 مليار دولار.
– ما ألغاه اتفاق نادي باريس في 2021: نحو 14.1 مليار دولار.
– ما أعيدت جدولته في اتفاق نادي باريس: نحو 9.4 مليارات دولار.
– أكبر الدائنين من خارج نادي باريس: الصين والكويت والسعودية.
– أبرز الدائنين داخل نادي باريس: فرنسا والنمسا والولايات المتحدة.
– السودان وصل إلى نقطة القرار في الهيبك في يونيو 2021، لكنه لم يصل بعد إلى نقطة الإنجاز النهائية.

