رياضة

الشاعرة روضة الحاج تكتب.. هدف السودان أشد وقعًا من نهائي كأس العالم

الخرطوم | الآن نيوز

لقد تجاوزت الرياضة منذ زمن بعيد حدود المنافسة على الألقاب والكؤوس وأصبحت واحدة من أكثر لغات العالم قدرةً على صناعة الهوية وبناء الوجدان الجمعي وتصدير صورة الأمم إلى الآخرين. فما يجري داخل المستطيل الأخضر لا ينتهي عند صافرة الحكم، بل يمتد أثره إلى الثقافة والسياسة والاقتصاد والإعلام وحتى إلى الذاكرة الوطنية للشعوب.

ولعل كرة القدم هي التجلي الأوضح لهذه الحقيقة؛ إذ لم تعد مجرد لعبة يتبارى فيها اثنان وعشرون لاعبًا، وإنما سفارة متنقلة تحمل قيم الأمم وعاداتها وتقاليدها، وتعيد تعريف الدول في الوعي العالمي. وربما يكفي أن نتأمل ما صنعه منتخب الرأس الأخضر تلك الدولة الصغيرة التي لم يكن كثيرون يعرفون عنها إلا القليل فإذا بفريقها يفرض اسمها على شاشات العالم ويكتب لها حضورًا يتجاوز مساحتها الجغرافية وعدد سكانها بكثير!

هذه الحقيقة لم أدركها كاملة إلا حين وجدتني ذات يوم في موقع يفرض عليّ أن أنظر إلى الرياضة بعين أخرى. فقد شاءت الأقدار أن أتولى منصب نائب رئيس لجنة الشباب والرياضة والثقافة والإعلام والسياحة بالبرلمان السوداني لمدة عامين بدرجة وزيرة دولة، وأن أشارك في الرحلة الطويلة التي انتهت بإجازة قانون الرياضة السوداني وهناك اكتشفت أن الرياضة ليست شأنًا خاصًا باللاعبين أو الإداريين وإنما قضية وطنية تستقطب القانونيين والمثقفين والسياسيين والأدباء والنظاميين والمعلمين وغيرهم من فئات المجتمع ولكل منهم رأيه وشغفه وانتماؤه الذي يدافع عنه بحماسة لا تقل عن حماسة اللاعبين داخل الملعب ولا أكاد أحصي عدد المكالمات التي تلقيتها تلك الفترة او التي تلقاها الاخ عمر سليمان المحامي رئيس اللجنة بهذا الخصوص حتى تمت إجازة قانون الرياضة المعمول به حالياً في السودان!

 

ومن الصور التي ظلت عالقة بذاكرتي أن معظم الأندية السودانية تحمل اسم “النادي الرياضي الثقافي”، وكنت كثيرًا ما أتساءل: أين يقيم هذا البعد الثقافي؟ وأذكر بإعجاب تلك المرحلة التي شهدت حراكًا ثقافيًا داخل الأندية وتنافسًا في الأدب والفنون والمعرفة جنبًا إلى جنب مع المنافسات الرياضية وهو تقليد أتمنى ألا تطمسه ظروف الحرب واللجوء لأن الثقافة هي التي تمنح الرياضة معناها الإنساني الأعمق.

أما علاقتي الشخصية بكرة القدم، فقد بدأت مبكرًا جدًا. كنت الطفلة الوحيدة بين إخوتي الذكور فكان اللعب معهم أول نافذة أطل منها على هذا العالم ثم ابتعدت عنه سنوات طويلة قبل أن تعيدني إليه مسؤولياتي العامة ثم أعادتني إليه المشاعر بطريقة لم أتوقعها!!

كنت موجودة في المغرب فتابعت مباريات المنتخب السوداني في كأس الأمم الإفريقية حيث اكتشفت أن انتماء الإنسان لوطنه يضعه في مواضع لا يتوقعها إذ لم أكن أتصور أن هدفًا يسجله السودان يمكن أن يجعل القلب يخفق بذلك العنف وأن التشجيع يمكن أن يتحول إلى تجربة وجدانية لا تنسى عندها فقط أدركت أنني لا أصلح لمتابعة مباريات يكون السودان أحد طرفيها!

والعجيب أنني كنت قبل ذلك ضمن جمهور المباراة النهائية لكأس العالم في استاد لوسيل بقطر وشهدت تتويج الأرجنتين في واحدة من أعظم المباريات، واستمتعت بها بهدوء كامل فقد كنت أشاهد كرة قدم لا أعيش قلق وطن!

وأنا أتابع اليوم ما يحققه المنتخبان المغربي والمصري من حضور مشرّف وما يصنعه الشعب المغربي والمصري من التفاف حضاري حول منتخبه يزداد يقيني بأن الرياضة ليست ترفًا وإنما هي استثمار في الإنسان، وفي صورة الوطن وفي مستقبله أيضا

مبارك للمغرب ومبارك لمصر ومبارك لكل انتصار عربي إفريقي يضيف صفحة مضيئة وأملي أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه ملاعب السودان، كما كانت دائمًا ساحات خضراء رحيبة لا لصناعة اللاعبين فحسب بل لصناعة الإنسان أيضًا

زر الذهاب إلى الأعلى