البخاري سيف الدين يكتب.. دولة بلا وفاء “حين تُباع دماء الشهداء في سوق الشعارات”
الخرطوم| الآن نيوز

الشهداء هم روح الوطن، هم الذين يضعون أرواحهم على كفوفهم ليبقى العلم مرفوعًا، ولتستمر الأرض التي أحبّوها حية في ذاكرة الأجيال. لكن واقعنا المرير يقول شيئًا واحدًا: دولتنا بارعة في رفع الشعارات، لكنها عمياء عن دماء أبنائها، تاركة تضحياتهم تتبخر في هواء النسيان، بلا نصب يخلد ذكراهم، ولا تكريم يوازي تضحيتم، ولا كلمة صادقة تعزّي أهلهم.
خذوا مثال #الشهيد_ودالضو، الذي رحل في معركة عبور المقرن، وهو يعتقد أن وطنه سيحفظ اسمه في سجلات العزة والفخر، لكن ما الذي فعله الوطن حقًا؟ مجرد كلمات جوفاء تتكرر في بيانات رسمية، ثم تُطوى صفحته وكأنه لم يكن. لا نصب تليق به، ولا تكريم حقيقي، ولا أي خطوة لتحويل تضحيته إلى درس للأجيال القادمة.
الدولة التي تبني خطاباتها على دماء الشهداء، لكنها لا تمنحهم مكانًا في وجدانها، هي دولة عاجزة عن الوفاء. دماء أبنائها تتحوّل عندها إلى شعارات رنانة تُرفع في المؤتمرات ثم تُنسى، مغلقة على مصالح أشخاص بعينهم، بينما التاريخ الحقيقي للشهداء يُهدر ويُمحى.
وفي هذا الإطار، يبقى الشهيد مجرد اسم يُذكر في لحظة عابرة، ثم يُمحى من ذاكرة الدولة، وكأن الروح التي قدمت أغلى ما لديها لم تُسجّل في أي سجل للوفاء أو العرفان. أي عار أكبر من أن يقدم الإنسان روحه، ثم يجد وطنه أقل كرماً من التراب الذي احتضنه؟
هذا الإهمال ليس مجرد إخفاق رمزي، بل جريمة ضد الوطن نفسه. الشجاعة والتضحية لا تكتمل إلا بالوفاء الحقيقي والاعتراف الصادق. دماء الشهداء ليست شعارات تُرفع في المؤتمرات، بل هي رصيد الوطن الحقيقي الذي يُبنى عليه مستقبل الأجيال، وعليه تُحفظ قيم الشجاعة والوفاء.
دولة لا تحفظ تاريخها، ولا توثّق تضحيات أبنائها، دولة تحوّل الشهداء إلى أرقام وأسماء بلا روح، لا تستحق أن تُكتب في تاريخها، لأنها فقدت القدرة على شرف أبنائها ودروسهم. الشهداء يختارون الموت دفاعًا عن وطنهم، لكن واجب الدولة أن تختار الحياة بكرامة، حياة تحفظ ذكراهم وتكرمهم، وتبني على تضحياتهم مستقبلًا حقيقيًا للأجيال القادمة.
إن دماء الشهداء لا تُقاس بالكلمات، ولا تُقلب شعارات رنانة، بل بالوفاء والعمل، وبنصب تذكارية، وبرعاية أسرهم، وبحفظ تاريخهم في وجدان الأحياء. كل تأجيل أو تجاهل، هو جريمة إضافية ترتكبها الدولة ضد نفسها وضد أولئك الذين وهبوا كل شيء لأجلها.

