البخاري سيف الدين يكتب.. الى من خانوا الشهيد ود الضوء ” الشهيد اكبر من صمتكم”
الخرطوم| الآن نيوز

الشهيد لا يرحل تماما…فدمه باقٍ في الأرض، وصوته يظل يتردّد في ضمائر الأحياء ، وقضيته لا تنطفئ ما دام هناك من يحمل رايته.
لكنّ أقسى ما يمكن أن يواجه الشهيد بعد رحيله، ليس مؤامرات الأعداء ولا تشويه الخصوم، بل تخلي الأصدقاء الذين طالما تغنّوا باسمه، ثم خانوا العهد.
كم هو مؤلم أن يتحوّل الوفاء الذي صدحت به حناجرهم يوما إلى مجرد شعارات خاوية، وأن تُستبدل صور التضحية بالكواليس الخفيّة للمصالح الضيقة ، كان الشهيد حاضراً بينهم كأخٍ ورفيق درب ، فحملهم على كتفيه حين عزّ الرجال، وبذل حياته في سبيل قضيةٍ لم يتجرأ البعض على دفع ثمنها.
التآمر على الشهيد هو خيانة مضاعفة ، خيانة للقضية التي استشهد من أجلها، وخيانة للذاكرة التي يُفترض أن تبقى نقية من شوائب التزييف ، وما من جريمة أقسى من أن تُستغل تضحيات الشهداء لتلميع وجوهٍ لم تذق مرارة الفقد ، ولا دفعت شيئاً سوى الكلمات.
لكن الحقيقة عصيّة على الدفن فالتاريخ لا يُكتب بالحبر وحده ، بل بالدماء أيضا، والذاكرة الجمعية أقوى من أي مؤامرة.
سيظل الشهيد حاضراً في الوجدان، مهما حاولوا محو صورته أو تقزيم مكانته أمّا من باعوا تاريخه، فلن ينجوا من لعنة الخيانة وسيبقى ذكرهم مقرونا بالخذلان.
إنّ الوفاء للشهيد لا يقاس بما يُقال في مجالس العزاء، بل بما يُصان من تاريخه وحقوقه بعد رحيله ومن يخون هذا الوفاء، فقد خان نفسه قبل أن يخون رفيقه.
أليس من العار أن يغيب صوت الشهيد عن روايتكم؟!!
أليس من المخزي أن يُمحى أثره من الذاكرة الجماعية، وأن لا يُذكر بينكم إلا عابرا،، وكأن حياته لم تكن وقوداً لطريقكم؟!!
لقد ضحّى الشهيد براحته وأمنه ومستقبل أبناءه ، ليصنع لكم غداً خالي من الجنجويد ، قدّم ما لم يجرؤ غيره على تقديمه ، فكان في الصفوف الأولى حيث الرصاص والموت، بينما اكتفيتم أنتم بالحديث من وراء الجدران ومع ذلك، لا أحد منكم يحكي عن سَفَره الطويل، ولا عن جسده المنهك ، ولا عن صموده الذي منحكم أنتم فرصة البقاء ، ولا عن شحنات الإمداد التي تجاوزت الـ100 شحنة خلف وووسط العدو!!!! ، ولا عن فكه حصار سلاح المهندسين؟!!!..ولاعن العمليات العدائية التي نفذها في وسط العدو ، ولا عن الاستطلاعات في وسط العدو!!!!
والأدهى من ذلك لماذا لم يُسمَّ له شارع أو حي أو مدرسة ولا حتى مسجد الشهيد الذي استشهد فيه لم يسمى….كبقية الشهداء؟!!! ولماذا يا البراؤون لم يُطلق اسمه على متحرك قتالي أو على مدفع كما جرى مع غيره؟!!! أليس هو من حمل السلاح معكم جنب إلى جنب ؟!! وواجه الموت بصدور عارية ، بأي معيار تُمنح الأسماء، وبأي ميزان يُوزَّع الوفاء؟!!!
وما يزيد المرارة أن والي ولاية الخرطوم نفسه لم يقرن اسمه مع مسجد الشهيد فقط اكتفى بقوله بإعادة ترميم مسجد الشهيد ، ولم يذكره بالحق الذي يستحقه، وكأن الشهيد لم يكن جزءا من معركة الولاية ، وكأن دمه لا يعادل دماء الآخرين أي استخفاف هذا؟!!! وأي ظلم أشد من أن يُمحى اسم من صنع بدمه مجداً يتقاضى عنه المسؤولين على مستوى الدولة؟!!!
إن الصمت عن تضحياته جريمة أخرى، لا تقل بشاعة عن تآمر الأعداء وإن حرمانه من حقه في التكريم والتخليد ليس مجرد نسيان، بل هو إمعان في محو حضوره من المشهد العام.
التاريخ لا يرحم فالتضحيات التي صُنعت بالدم لا تُدفن بالصمت وسيرة الشهيد لا تُمحى بإغفالها ومن يرفض أن يتحدث عن عطائه أو أن يمنحه مكانته الطبيعية بين الشهداء، إنما يكشف عن عجزه وخيانته قبل أن يكشف عن نكران فضل الشهيد.
سيظل السؤال قائما لماذا لا تذكرون من أعطاكم أكثر مما أعطى نفسه؟ ولماذا تُحجب سيرته وكأنها عبء ثقيل؟ ولماذا لم يُرفع اسمه على متحرك أو مدفع أو مَعْلم كما يستحق؟!! ولماذا لم يقترن اسمه بالمسجد ؟!! ، ليُحفظ له حقه في ذاكرة الناس؟!!
الشهيد أكبر من صمتكم، وأكبر من محاولات محوه، وسيظل حيا في قلوب الأحرار، مهما تواطأ الجاحدون.
دم الشهيد_ودالضو في اعناقكم
وللحديث بقية……

