وسعت جبهة داعمى المليشيا من دائرة تمنياتهم بشأن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى المنطقة منتصف هذا الأسبوع مشاركا في قمة أمريكية خليجية تم التحضير لها بعناية و لم يعلن من بين أجندتها قضايا راهن المواجهات العسكرية فى السودان لكنها تهدف الى حشد الدعم المالي والاستثمارى من دول الخليج العربية لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي المنهك الذى يعانى من صعوبات و اختلالات وخيمة وخطيرة و تتنامى مخاوف من ان تدفعه الى حافة الانهيار المبين.
و تشمل زيارة الرئيس ترمب التى تبدأ الثلاثاء ١٣/مايو الجاري إلى منطقة الخليج زيارة كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة و قطر وستشهد توقيع عدد من الاتفاقيات الاستثمارية و الاقتصادية فى مجالات اقتصاديات الطاقة والطاقة المتجددة لاسيما الطاقة النووية السلمية والتعاون الصناعي والذكاء الاصطناعي بجانب توقيع عقود تسليح و بحث مجمل القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
و رفع داعمون للمليشيا المتمردة فى السودان من سقف توقعاتهم بأن تتصدر أجندة هذه القمة مبادرة أمريكية جديدة باتجاه احياء منبر جدة التفاوضي فضلاً عن عشمهم المبالغ فيه بأن تتضمن هذه الزيارة ممارسة ضغوط أمريكية كثيفة نحو احداث طفرة هائلة فى المشهد دفعه نحو تسوية تؤمن إعادة تسيدهم حلبة التنافس السياسي و قيادة الحراك.
يبدو للوهلة الأولى أن هذه التوقعات ممكنة ولها ما يبررها بالنظر للنجاح الباهر الذي حققته دبلوماسية ترمب فى إطفاء نيران عدد من أخطر النزاعات المسلحة في منطقتى اسيا والشرق الأوسط و فى مقدمتها الحرب المشتعلة بين القوتين النوويتين الهند و باكستان و نفهم مغذي و دلالات التدخل الدبلوماسي الأمريكي النافذ والمتعجل لإنهاء هذه الحرب فى هذا الوقت الحاسم الذى يشهد تقدم عسكري واسع النطاق و على نحو بارز و مشهود لباكستان على أكبر حليف استراتيجي لأمريكا فى المنطقة و إذا عرف السبب بطل العجب ، ثم جهود الرئيس ترمب المتواصلة للضغط باتجاه وقف الحرب الروسية الأوكرانية من خلال تسوية سياسية مؤلمة و قد تكون مهينة للدولة الأوكرانية الحليف الاستراتيجي للمعسكر الغربى و مضطرة كييف للقبول بها كونها مهددة بوقف امدادات السلاح الأمريكي والأوروبي لها و مجبرة على تسديد فاتورة صفقات السلاح السابقة منذ اندلاع الحرب خصما على مخزونات مواردها من خام الحديد الموصوف بالجودة العالية هذا و كشف الرئيس الأوكراني زيلينسكى عن توقعه بدء وقف شامل و دائم لإطلاق النار الاثنين ١٢/مايو الذى سيتم إقراره لدى لقائه الرئيس بوتين فى تركيا الخميس المقبل وكان الرئيس التركى اردوغان قد أعلن عن دعمه هذه المساعي الحميدة مقدما اسطنبول منصة للسلام. و كذلك الحال على صعيد الحرب الوحشية والهمجية الإسرائيلية على غزة تبذل دبلوماسية الرئيس ترمب جهود خارقة فى مفاوضات مباشرة مع حركة حماس تبشر بقرب الوصول إلى تفاهمات مفصلية مهمة و بناءة ، و لكن الاختراق الذي اوقع صدمة هائلة و دامية فى الأوساط السياسية والدبلوماسية الدولية والإقليمية خاصة على الزعيم الإسرائيلي نتنياهو هو النجاح المذهل للدبلوماسية الترمبية فى التوصل إلى صفقة مع الحوثيين في اليمن بموجبها يسمح للسفن و أساطيل النقل التجارية الأمريكية فقط بالعبور عبر باب المندب على مياه البحر الأحمر دون أن تتعرض لأى هجوم حوثي.
كل هذا النجاحات تشجع على إمكانية الدفع باتجاه تحريك جمود التفاوض في المسألة السودانية غير أن تطورات الأوضاع في مسرح العمليات العسكرية غير معدة او مؤهلة للقبول بأي مقاربة جديدة ترصف الطريق الى حوار يفضى الى وقف شامل و دائم لإطلاق النار فى هذه الحرب التى أكملت عامها الثاني و تقف عدة شواهد و برهين على ذلك.
لا شك أن ضمان نجاح أي مفاوضات لإنهاء اى حرب يكمن في التحضير الدبلوماسى الجيد الذي يسبق الحدث بما يتضمنه من تهيئة بيئة مناسبة و مواتية لإطلاق هذا الحراك التفاوضي و مما لاشك فيه أن التوافق على قضايا أصولية و مفصلية فى هذه الأعمال التحضيرية يدفع باتجاه تحقيق نتائج إيجابية مؤكدة على طاولة التفاوض و بما أن هذا العمل التمهيدي لم يحدث فإن الامل معدوم بأن يتبنى الرئيس ترمب اي مبادرة لنفض الغبار عن منبر جدة التفاوضي.
فى إطار تعقيدات الحالة الراهنة بعد ان عبرت حرب المواجهة الميدانية التى شهدت انتصارات الجيش المتوالية و الساحقة إلى حرب مواجهات جوية بالمسيرات التى استهدفت بها المليشيا المدنيين و البنيات التحتية للدولة و منشآت الخدمات الحيوية للمواطنين بينما دك الطيران الحربي للجيش بنية تحتية لمنظومات دفاعية أكثر تطورا و حداثة للمليشيا التى دفع بها ممول المليشيا و داعمها و اقامت في مطار نيالا ما يسمي بالقبة الحديدية و قد جهزت بتقنيات عالية و كوادر أجنبية للتصدى لصواريخ طيران الجيش و مقذوفات مسيراته و كانت قد أعدت لاستقبال حكومة المنفى فى نيالا العاصمة البديلة لدولة العدم والخيال بعد ان استعصي عليهم دخول فاشر السلطان و فى هذه الأجواء التى يملؤها الغضب والاحتقان جراء بشاعة الفظائع المدمرة التى ارتكبتها المليشيا فى حق السودانيين و يعتبر اى امل فى أن تفضى اي مفاوضات محتملة إلى تسوية سلمية مجرد وهم بالنظر للموقف المبدئي للشعب و الحكومة السودانية و يعزز ذلك ان هناك جهات دولية وإقليمية نافذة و داعمة للمليشيا ستسعى إلى عرقلة اي حركة فى هذا الاتجاه غير متحسبة و مستوعبة مصالحها في اى تسوية متوقعة بما فيها وجود دائم و تمثيل حقيقى لوكلائها فى هياكل الحكم والسلطة للدولة سياسيا واقتصاديا وعسكريا و فى هذه المنطقة يكمن الخلاف الجوهري الذي لا يمكن المساومة عليه بالنسبة لجبهة الشعب و الدولة السودانية وسبق أن كان أحد أهم مسببات انهيار جولات ماضية من المفاوضات ، والى ذلك فإن الافراط فى التفاؤل بأن تتبنى نتائج مباحثات الرياض اى مناورة لإعادة منبر جدة التفاوضي ستكون بمثابة عشم ابليس فى الجنة و أن قدر ان تضمنت توصيات و قرارات هذه القمة الأمريكية الخليجية شي من هذا القبيل ستصنف فى خانة إعلان نوايا حسنة و تمنيات طيبة لا غير و لن يكون لها أي صدى لدى الفاعلين وان قبل بها طرف مكره.
إن موقف الحكومة و الدولة السودانية المعلن ثابت و واضح و قد تحطمت على جدرانه المتينة مبادرات المنامة و سويسرا و تركيا و بريطانيا و موخرا الجامعة العربية و يقوم على أن إنفاذ ما تم الاتفاق عليه في جدة كفيل بدفع العملية التفاوضية برمتها إلى وقف شامل و دائم لإطلاق النار وانهاء الحرب بعد التحقق من تنفيذ حقيقى على الارض لالتزام صارم و حازم للممول العسكري للميليشيا بوقف امداداته نهائيا
إن حقوق الضحايا بجبر الضرر و تعويض أولياء الدم و الدولة واجب شرعي كفلته كل الشرائع السماوية و القوانين الدولية و القطرية و قد تم التطرق اليه فى مداولات المفاوضات الفاشلة السابقة وإذا قد قدرت هذه الحقوق بنحو ثلاثمائة مليار دولار بعد عام من انطلاقة الحرب فقد تضاعفت كما و نوعا اضرار هذه الحرب و ويلاتها فى مختلف مجالات القتل وفقد الأرواح و الاعاقات و الاصابات الجسدية الجزئية و الكلية والاغتصاب و الاختطاف و الاتجار بالنساء والقصر والأطفال فى أسواق الرق و البغاء و نهب الممتلكات العامة والخاصة و التدمير واسع النطاق للبنيات التحتية و الأعيان المدنية و منازل المواطنين و دور العبادة و المقار الدبلوماسية و غيرها لذلك ربما تفوق المبالغ المقدرة للتعويضات هذه المرة التريليون والنصف دولار و يتعين تضمينها اي اتفاق سلام على نحو منصف و شفاف و على قدم المساواة مع حصول الضالعين فى هذا الجرائم على عفو الدولة العام.

