كتاب رائ وعالمية

استفهامات.. عبد الحفيظ عبدالقادر يكتب.. إلى متى هذا التمادى فى بزل الوعود السراب ؟

الخرطوم| الان نيوز

ما أكثر تصريحات القادة و السياسيين والمسؤولين التى تطلق فى المناسبات و فى غيرها فى جموع و حشود المواطنين و فى غيرها ، وعود طيبة تحمل لهم الكثير من البشريات ، وعود تدغدغ عواطف الجماهير واحاسيسهم تبعث الأمل والرجاء فى قلوبهم و وجدانهم تملأ جوانحهم بكثير و كبير الطموحات و التطلعات تجعلهم يعيشون في خيالات الاحلام الوردية كما العشاق و اهل الهوى و عادة ما تكون هذه الوعود المبذولة والعهود المقطوعة وافرة و حاضرة في مواسم الانتخابات و اي انتخابات كانت لاتحادات الطلبة ، نقابات عمالية و مهنية ، جمعيات طوعية او هيئات عامة أو خاصة و سلطات محلية و غيرها ولكن تبلغ مداها الأقصى فى السخاء اللغوى والتمنى والمرام فى الانتخابات العامة الرئاسية أو البرلمانية و أكثرها ضراوة و مبالغة عقب نجاح اى انقلاب عسكري أو ثورة شعبية.

لقد حدث ذلك و يحدث دائما وابدا فى كل المجتمعات و لدى كل الشعوب فى كل الأزمنة والأمكنة على مر الحقب و العصور من قديم الزمان والى يومنا هذا ، هذه الوعود منها دون أدنى شك ذات المصداقية و المعقولية و بطبيعة الحال منها الزائفة الغارقة فى الوهم و الضلال المبين و تلك أخطرها واقبحها و من اعجب ما سجلته ذاكرة التاريخ فى بزل الوعود الحالمة الخاطفة للقلوب والعقول ما قيل عن ما وعد به أحد المرشحين في حملته الانتخابية للبرلمان لاهل دائرته الانتخابية فى شرق السودان و كان وعد الواثق من قوله و فعله ، لقد تعهد هذا المرشح الذكى المصمم على الفوز في تلك الانتخابات قائلا ( إذا انتخبتونى سابنى لكم كبرى عملاق بين بورتسودان و جدة لتذهبوا إلى الحج والعمرة كدارى ) طبعا فاز بمقعد الدائرة و لم يشيد الجسر المزعوم ولم يسأل أحد من الناخبين عنه غير انه بفضل التقدم العلمى الذي احرزته البشرية فى العلوم الهندسية والتكنولوجية خاصة في صناعة البنى التحتية و الإنشاءات أصبح ذلك ممكنا و بل وأصبح واقعا بالفعل فالكباري تحت البحار أو المعلقة عليها اضحت تمثل جانباً مهما من حقائق الواقع المذهل و علامة فارقة فى التقدم الحضاري المشهود فى عالمنا اليوم.
لقد قال أحد وزراء الحكومة البارزين في عهد الإنقاذ و هو يحتفى بأكبر انجاز تاريخي عجزت عن تحقيقه كافة الحكومات السابقة فى السودان طبعا يقصد ( سد مروي ) وكان يتحدث فى سهرة تلفزيونية منقولة مباشرة من على ضفاف النيل على مسرح الاحتفالات بافتتاح هذا السد و كان ضيوف هذه السهرة وفود من اتحاد المهندسين العرب قال الوزير الذي يعتبر أحد عرابي هذا الإنجاز الملهم و هو يحكى طرفة عن ما قالته إحدى الجدات من اهل المنطقة و هم يحدثونها عن نجاحهم فى إقامة سد مروي هذا الحلم التاريخى الذى بشرت به كل الحكومات المتعاقبة من خلال وعود قطعها كثير من السياسه و عهود التزم به السواد الاعظم من المرشحين لانتخابات البرلمان و رئاسة الجمهورية ، قالت هذه الجدة المنصورية و هى طاعنة فى السن يائسة من تحقق حلم سد مروي ( انا من ما ولدونى باسمع بسد مروى و يوم القيامة و إلى يومنا دا لا قامت القيامة و لا سد مروي ) لقد كانت متهكمة عليهم و ساخرة و منكرة لهذا الادعاء رغم أنه تحقق.
صفوة القول إننا ظللنا نشهد و نسمع منذ اندلاع الثورة المجيدة فى ديسمبر ٢٠١٩م عن تكليف شخصية مستقلة بمهام رئيس الوزراء و تكوين حكومة تكنوقراط مستقلين و بالفعل و بعد مخاض و تعسر طال أمده و توسع مداه ولدت حكومة حمدوك لكنها لم تكن فى الحقيقة من تكنوقراط ولا كانوا وزرائها مستقلين بما فيها حمدوك نفسه لقد خدع الشعب بوعد كاذب و لكنه تغاضى و صبر و عندما أجري اول تعديل وزاري فيها زادت الطينة بلة وبدت موغلة أكثر فى دهاليز الحزبية حتى النخاع و بعد ما حدث ما حدث من تغيير فى ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١م كان وعد تكوين حكومة تكنوقراط مستقلين فى طليعة وعود التغيير باعتباره وعد الثورة الأوحد و الاكثر اهمية لقد تمددت الايام والشهور والسنوات ولم يتم الوفاء به و عندما قامت الحرب كان مطلب الحكومة الانتقالية من الكفاءات الوطنية المستقلة أحد أهم أدوات الصراع السياسي بين الفرقاء السياسيين فى الأحزاب والتحالفات والحركات السياسية و القوى الوطنية والعسكرية الذي من أجله أشعلت الحرب وسقط الوطن فى بئر الخيبة والضياع و لما أوشكت الحرب أن تضع أوزارها و انجلت تماما فى ولايات الوسط بما فيها العاصمة الخرطوم وأضحت البلاد مؤمنة بنصر الله و فتحه المبين تجددت وعود القادة العسكريين و السياسيين و من هم فى قمة هرم السلطة و بما لا يحصى و لا يعد من المرات و فى مختلف المناسبات و اللقاءات الشعبية و الفئوية والصحفية ، امام القادة والجنود و وسط الحشود الجماهيرية عقب الانتصارات و الفتوحات المتلاحقة لجيشنا الباسل العنيد ، لقد ظللنا لأكثر من خمس سنوات بما فيها سنتا الحرب فى حالة مستدامة من التمادى فى بزل هذه الوعود دون الوفاء بها.
الجدير بالملاحظة أن من اعتبرناهم أهل باطل و ضلال يسارعون إلى إنجاز مهامهم و مراميهم فى بناء حكومة منفى فى الهواء الطلق بدون الحد الأدنى من مقومات الدولة و لا بصيص امل فى اعتراف دولي و بكل جدية و مثابرة يصارعون المستحيل و يتغلبون على تعقيداتهم و خلافاتهم و يا عينى على جبهة الحق و اليقين المبين المتكية على انتصارات الجيش و المستندة على دعم الشعب و الاعتراف الدولى واقفين محلك سر ، غارقين فى خلافاتهم الوهمية المتواصلة يطلقون وعود الخيال و المستحيل و يبنون قصور الرمال فى الأرض اليباب والزمن الصعيب ، غاطسون فى وحل السياسة و ضلالاتها الأسنة.
إلى متى هذا الخزلان المهين لهذا الشعب الصابر الصامد الذي مسه كل الضر و اهلكته متاعب الأذى و انهكته مصاعب الضنى و مازال يسمع وعود التمنى و عهود السراب ، لقد طال أمد الانتظار لموعود لن يأتي و بلغ به الياس والقنوط أقصي مما يكمن تحمله و لكنكم تعلمون و تدركون أنه شعب ملهم و معلم لا يستحق هذا الهوان ولا هذا المصير المر الأليم وأخشى أن يداهمنا يوم القيامة ولا يتحقق له ابسط حقوقه فى إقامة حكومة مدنية انتقالية من كفاءات وطنية مستقلة بقيادة قومية غير حزبية نافذة و حاسمة من زوي المعرفة والكفاءة و الأمانة و الطهر والالتزام الوطني المشهود تقود البلاد و العباد إلى انتخابات حرة و نزيهة يتسلم الفائزون بها مقاليد الحكم وإدارة الدولة السودانية و هم الذين يحق لهم بناء نظم الحكم الديمقراطي المستدام و هياكل سلطاته و أجهزته الدأئمة.

زر الذهاب إلى الأعلى