استفهامات.. عبد الحفيظ عبدالقادر يكتب.. ماذا خسرنا بغياب أو تغييب رئيس الوزراء
الخرطوم| الآن نيوز
منذ انقلاب اكتوبر 2021م الذي أقصى تحالف قوي الحرية و التغيير من المشهد السياسي فيما سمي بحركة التغيير والإصلاح وانتهى حراكها بسقوط حكومة عبد الله حمدوك الذى غادر رئاسة الوزراء بتقديمه استقالته ، تعيش البلاد فى أزمة سياسية تطاولت و توسعت واستحصت عن الحل لتصل بنا إلى هذه الحرب الوجودية المفروضة على شعبنا و بلادنا كونها استهدفت استئصال الشعب و الدولة السودانية بجيشها غير أن الأزمة الحقيقية التى لوعت البلاد و العباد هى الميوعة السياسية والارتباك المشهود فى الاداء الحكومي بغياب أو تغييب التشكيلة الحكومية ممثلة فى رئيس الوزراء وأعضاء حكومته.
و معروف أن رئيس الوزراء الانتقالى هو المسؤول عن إدارة الفترة الانتقالية بموجب الوثيقة الدستورية التى يفترض أن تنتهي بانتخابات برلمانية يتسلم فيها السلطة برلمان منتخب حيث يحق للحزب أو التحالف الانتخابي الذي يحصل على الأغلبية في البرلمان المنتخب اختيار رئيس المجلس النيابي و زعيم الأغلبية و من ثم تعيين رئيس الوزراء و تعيين رئيس وأعضاء مجلس السيادة.
و السؤال المنطقى و المهم الذي يطرح نفسه و بلادنا تكتنفها حالة من عدم اليقين بمالات الأوضاع السياسية والأمنية ، هو إلى أي مدى يمكننا القول إن الفشل الذي يلازم محاولات التوافق على تسمية رئيس الوزراء مقصود و ملعوب من كل الأطراف المعنية ذلك أن فحص اي عينات عشوائية من خطاب القوى السياسية والوطنية المتصارعة على السلطة يبين بما لا يدع مجالا للشك والريبة أن كل واحدة من هذه الأحزاب أو القوي السياسية والتحالفات ترغب و بحرص شديد أن يكون منصب رئيس الوزراء من نصيب عضويتها أو المقربين منها و لا احد يمكن أن يقدم تنازلات أو يقبل تسويات مؤلمة من أجل الوطن و المواطن و وسط هذا السجال السياسى وجد العسكريون ضالتهم فى البقاء في السلطة إلى منتهى هذا الصراع العنيف و لكونهم هم القوة الحاسمة في الدولة التى يمكنها صناعة التغيير فقد فعلت ذلك عندما انحازت لصالح خيارات الشعب فى التغيير فأصبحت شريك أساسي و مهم فى العملية السياسية بذلك تكون كل القوى السياسية والوطنية بما فيها العسكريون جزءا من هذا الحراك البيزنطي الذي أفضى إلى هذا الفشل المبين.
إن الأنانية السياسية وحب احتكار السلطة و إقصاء الآخرين مرض مزمن و متوطن لدى القادة الوطنيين فى هذه البلاد العزيزة سواء على مستوى السياسيين أو العسكريين و لطالما كان هذا الوباء الوخيم مسيطر و ضارب فى أعماق الفكر والممارسة السياسية السودانية لذلك فان الامل والرجاء في الاستقرار السياسي والامنى لهذه البلاد سيكون دائماً وأبدأ على كف عفريت وشهدنا كيف انتهى بنا الصراع السياسي الضارى و العنيف إلى هذه الحرب الراهنة والتى قضت على الأخضر واليابس و لاحظنا فى تاريخنا السياسي منذ الاستقلال أن كل ثورة شعبية تقدم تضحيات جبارة فى سبيل اقتلاع نظام شمولى مستبد تولد مصابة بفيروس هذا الوباء الفتاك.
إن بلادنا اليوم تعاني من مشكلة مفتعلة بإرادة بنيها و عدم معالجتها هو أن تبقى الأوضاع على ما هى عليه إلى اشعار اخر لطالما هذا الوضع الاستثنائى يحقق فوائد جمة للمستفيدين منه لا سيما طلاب البقاء في السلطة إلى أقصى ما شاء الله رب العالمين.
إن استدامة تغييب رئيس وزراء مستقل لقيادة متبقي الفترة الانتقالية تسبب فى خسارات باهظة للدولة و المواطنين سياسيا و امنيا و اقتصاديا و اجتماعيً و عندما افتقدناه غابت مؤسسات غاية فى الأهمية مثل المحكمة الدستورية و مجالس إدارات الكثير من الهيئات التشريعية و المهنية والحقوقية و الاقتصادية والاجتماعية و فوق كل ذلك هذه الأوضاع الاستثنائية اتاحت فرص واسعة للفساد المحتمل و فتحت شهية كل غاوى فساد أن يسهم بما وسعه من جهد وحظ و عبدت الطرق المختلفة لكل من هب و دب أن يصيب اقتصادنا الوطني فى مقتل.
فى غياب المجلس التشريعي الذي يتولى سلطة التشريع و صناعة القوانيين لاسيما قوانين الميزانية العامة و محاسبة و مراقبة الصرف و الأداء الحكومى وإجازة برنامج و مشروعات الحكومة و الاتفاقيات مع الدول الأخرى ، لا يمكن لأي سلطة بديلة القيام بهذه المهام الأساسية و بما ان
التعديلات الدستورية الأخيرة قد اعتمدت سلطة مؤقتة لإنجاز بعض من هذه المهام هى الاجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء لإجازة القوانين و هذا ممكن لكنه مؤقتاً فى غياب المجلس التشريعي و فيما يتعلق بالسلطات الأخري فمثلا لا يمكن للحكومة أن تحاسب و تراقب نفسها بدون شك سيكون الأداء أكثر من ممتاز و طبعا سيخلو الأداء من اى خطاء و تجاوزت فضلاً عن أى شبهات للفساد كأنما أعضاء الحكومة التنفيذية و السيادية من الملائكة المعصومون.
فى وجود رئيس للوزراء و حكومة مدنية من مستقلين و مجلس تشريعي يضمن تمثيل مقبول لكافة الوان الطيف المهنى و المناطقي و النوعى والفئوي و برقابة شعبية سنضمن قيام كافة هياكل الحكم وأجهزته التنفيذية و الحقوقية و العدلية والمهنية و النقابية.
إن هذا الوضع الراهن الغريب فى إدارة الدولة الذي املته ظروف حرجة واستثنائية
لا يمكن أن يستمر إلى الأبد ، وزراء و ولاة ولآيات و وزراء حكومات ولائية مؤقتون و لكن يمارسون سلطات و صلاحيات وزراء و ولاة اصليون و بصفة دائمة و ليس مؤقتاً هذا ما يدعو للقلق و الحيرة المفضية للضياع والانفلات و بدون الإسراع فى اختيار و تعيين رئيس للوزراء باسرع ما تيسر فلا يمكن لأحد أن يتوقع الا المصير المجهول الذي يحتمل أن تؤول إليه الأوضاع.
لا يجب أن نرهن مصير ترشيح شخصية مستقلة لتولى رئاسة الوزراء الى توافق القوى السياسية والوطنية الذي ليس من المنتظر أن يتحقق إلا إذا اشرقت الشمس من المغرب ولكن من الممكن أن يكلف رئيس مجلس السيادة لجنة حكماء من أعيان البلد و كبارها لتسمية خمس مرشحين يختار هو واحد من بينهم.

