كتاب رائ وعالمية

استفهامات.. عبد الحفيظ عبدالقادر.. ما قيمة اي تعديلات على ( الوثيقة الدستورية ) التى أصبحت من الماضى؟ و هل هى تعديلات ام وثيقة جديدة؟

الخرطوم| الان نيوز

قبل انطلاق اعمال سودنة و تعريب موسسات الدولة بعد الاستقلال كانت بالطبع اللغة الإنجليزية هى اللغة الرسمية للدولة والمستخدمة فى الدواوين الحكومية و منها الأجهزة العدلية بما فيها المحاكم ، و كان أضلاع مثلث العدالة ، القاضى و ممثل الاتهام (وكيل النيابة) و ممثل الدفاع ( محامى المتهم ) جميعهم يتحدثون باللغة الإنجليزية وطبعا المتهم واقف طيلة مدة المحاكمة ما فاهم ولا عارف اي حاجة عن ما يقوله هؤلاء عنه وإذا كانت قضيته جريمة قتل ثابتة عليه فإن محاميه فى نهاية المحاكمة يستخدم لغة الإشارة لإبلاغه بالحكم حيث يرفع اصبعه و يمرره تحت رقبته طبعا حيفهم المتهم أنه تم الحكم عليه بالاعدام.

إن حالة التكتم التى تحيط أعمال لجنة التعديلات المعلن عنها على الوثيقة الدستورية تشابه إلى حد كبير حالة هذا الشعب المغيب عن التفاعل مع حدث بالغ الأهمية لدوره المهم و المؤثر فى حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية و كان قد وقع شي من ذلك التكتم المشدد على لجنة تعديلات القوانيين السودانية لتتماشى و تتوافق مع الشريعة الإسلامية التى شكلها الرئيس الأسبق جعفر نميري فى عام ١٩٨٣ و كانت لجنة ثلاثية من كل د. المكاشفى طه الكباشى استاذ الشريعة بجامعة امدرمان الاسلامية و الاستاذ عوض الجيد المحامي و الأستاذة بدرية سليمان المستشارة القانونية برئاسة الجمهورية الى جانب التكتم منعهم الرئيس من الرجوع الى د.حسن الترابي مساعد رئيس الجمهورية فى ذلك الوقت حتى يحسب العائد السياسي من هذا الحدث و الانجاز له وحده ، ولكنهم كانوا سرا يرجعون إليه ويشاورونه لأنه استاذهم وله من المعرفة والخبرة فى القانون و الشريعة ما يؤهله لذلك وأكثر ولعل الرئيس رحمه الله عرف ذلك و لكنه تغاضى لمصلحة جودة مخرجات هذا الغرس الطيب إلى أن جاء بنفسه لاحقا عندما تولى مهام وزير العدل أخضع هذه القوانين لمراجعات دقيقة خاصة ( قانون العقوبات ) الذى عكف عليه بنفسه رحمه الله وأجرى عليه مراجعات أساسية فى شكل و مضمون القانون و هو من غير اسمه إلى ( القانون الجنائي ) و هو الاسم الذي ظل سارى عليه إلى يومنا هذا. وتعتبر هذه المراجعات هى الثانية على قوانين السودان و كان د. زكى مصطفى وزير العدل الأسبق اول من أنجز عملية مراجعة شاملة لقوانين السودان فى منتصف سبعينات القرن الماضي.
وفقا للاعراف والمتطلبات الدستورية يكون البرلمان أو الجمعية التأسيسية و فى غيابهما يصدر راس الدولة قراراً رئاسيا بتكون لجنة موسعة فى العادة لا يقل عدد أعضائها عن خمسين عضوا يمثلون مختلف أطياف و فئات الشعب سياسيا و مهنياً و عمريا و نوعيا و جهويا إلى آخره لإعداد مشروع وثيقة دستورية و غالبا تسند الجمعية العمومية لهذه اللجنة الى لجنة خبراء مصغرة اعداد مسودة الوثيقة و من ثم تتولى الجمعية العمومية للجنة الدستور مناقشتها و التداول حولها كما تتلقى اراء و ملاحظات و مقترحات المواطنين أفرادا و جماعات و بعد الصياغة النهائية تقوم باجازتها بندا بندا فى جلسات مفتوحة تحضرها طائفة من المهتمين حسبما يسع المكان و بجانب ممثلى الصحافة و الفضائيات و كل اعمال هذه اللجنة تكون منقولة على الهواء مباشرة عبر الإذاعة والتلفزيون القومي و بعد التوافق عليها واجازتها تعرض للاستفتاء الشعبي و بموافقة الشعب عليها تكون قد اعتمدت و يسرى مفعولها من لحظة توقيع رأس الدولة عليها ، هذه هى الطريقة المتعارف عليها فى عمل الدساتير فى هذه الدنيا و هذا البلاد و طيلة فترات الحكم الوطني فشلت النخب السياسية والاحزاب فى كل العهود الديمقراطية فى صناعة وثيقة دستورية على هذا المنوال عدا دستور ١٩٥٦م و مبادرة الدستور الاسلامى فى نهاية ستينيات القرن الماضي التى كانت على وشك أن تصبح واقعا و جاء انقلاب مايو الاحمر فى عام ١٩٦٩م واجهض العملية برمتها فيما نجحت النظم الشمولية ممثلة فى نظامي مايو و الإنقاذ فى إنتاج كل منهما دستوره الذى حكم به
و كشفت تصريحات لمسؤولين فى الدولة عن مساعي لإجراء تعديلات مهمة و ضرورية على الوثيقة الدستورية ( الميتة سريرية ) منذ انقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ الذي أطاح بحكومة رئيس الوزراء الانتقالى د. عبدالله حمدوك وانهى الشراكة بين المدنيين والعسكريين التى كانت تحتكم إلى هذه الوثيقة الدستورية.
هذه الوثيقة وصفها بعض خبراء القانون و فى طليعتهم د.منصور خالد بأنها اتفاق سياسي مرجعي وليست وثيقة دستورية لانها لم تراعي فى إعدادها أهم المبادئ والأعراف الدستورية المعلومة و انتقد رحمه الله كونها حددت أربعة سنوات للفترة الانتقالية مؤكدا يجب أن لاتتجاوز اي فترة انتقالية السنتين فقط و رغم ذلك قبلها الشعب بالمنطق الثورى الذى كان يسيطر على الاجواء فى ذلك الوقت و ابتهج و فرح يوم التوقيع عليها على نحو غير مسبوق و اعتبر لحظات التوقيع هذه لحظات فاصلة و حاسمة فى مسيرة التغيير و الانتقال الى عهد جديد بطعم الحرية و الديمقراطية التى يعشقها هذا الشعب المعلم ، صانع الثورات و و ساحق الظلم وقاهى الاستبداد
نعم سقطت و اعتبرت فى حكم المعدومة لان هذا التغيير العسكري أسقط طرف اصيل فيها واعتبر هذا الطرف أن منطق الانقلاب ردة واضحة و عن ما تم التوافق عليه فى مضمونها و بنودها التى تأسست عليها باتفاق الطرفين الموقعين و بحضور الشهود من مثلى المجتمع الدولى والإقليمي و كبار الضيوف من رؤساء الدول والحكومات.
لذلك إن كل ما قيل و يقال عن تعديلات فى هذه الوثيقة لا قيمة لها على الاطلاق بالمنطق القانونى والسياسى وان ما يتم إعداده حاليا ليس تعديلات إنما وثيقة دستورية جديدة و وفقا لما اعلنه الفريق أول ياسر العطا عضو المجلس السيادى مساعد القائد العام للجيش حيث قال بالحرف الواحد ( نحن اليومين دى بنعمل فى وثيقة دستورية جديدة بعد اجاز تها سيعاد تشكيل مجلس السيادة).
حسنا فعل الفريق العطا فقد كشح الزيت و اماط اللثام عن ما يدور خلف الأبواب المغلقة و لكنه أصاب فقد وضع الشعب أمام الحقيقة الناصعة بأن ما يحدث هو (اعداد وثيقة دستورية جديدة) و حسنا عرفنا اخر المطاف بأن البلاد منذ ذلك الحين كانت تهيمن عليها حالة من الفراغ الدستورى مما يتطلب و يحتم سرعة التصرف بإنجاز وثيقة دستورية جديدة ولكن هذه المرة يجب أن تكون حسب التقاليد والأعراف الدستورية المعروفة.
و الغريب بعد اندلاع الحرب كان يفترض بل كان من الضروري إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية لأن البلاد اضحت فى اوضاع استثنائية مشهودة و هذا دائما هو الذى يحدث فى بلدان العالم فى زمن الحروب الا هذا البلد العجيب الذى تدار فيه الدولة فى ظل حرب وجودية شرسة بالقوانين الطبيعية والأغرب من ذلك تستند وتحتكم فيها
الأعمال القانونية و القضائية إلى وثيقة دستورية منتهية الصلاحية
الان و قد اصبحنا قاب قوسين أو أدنى من مسودة وثيقة دستورية جديدة و هذا حسن وافضل لكن الاكثر اهمية أن تعرض هذه المسودة الجديدة للنقاش و المداولات العامة للمواطنين لاستصحاب ارائهم و ملاحظاتهم و مقترحاتهم بشأنها.
وعليه بما أن البلاد غارقة فى حالة حرب تطاولت و توسعت و بالطبع تشهد الان حالة مفرحة من الانحسار جراء انتصارات الجيش والمتحالفين معه من القوات المشتركة و المستنفرين والمجاهدين يصبح من الضروري اعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية فى البلاد لسد حالة الفراغ الدستورى التى تخيم على البلاد و الى حين إجراء ما يلزم من أعمال ضرورية و مهمة ذات صلة بإجازة هذه الوثيقة الجديدة و التوافق عليها عبر حوار مجتمعي واسع و شامل.
إن الأوضاع الأمنية الحرجة و الضاغطة التى تحاصر المدن والمناطق التى تم تحريرها و التى تشهد اضطراب أمنى ملحوظ يعقد ويصعب عمليات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم ذلك أن الأمن والأمان للمواطن و عائلته أمر جوهرى وأساسي لا يمكن المساومة فيه أو المغامرة به لأن المواطن يصبر على عدم و ضعف وتدني الخدمات العامة والحيوية و لكن ليس بوسعه الصبر على انفلات الأمن و انعدام الطمأنينة والسلامة العامة
إن عصابات الإجرام المعتادة على جرائم السطو المسلح والقتل الاختطاف و قطع الطرق والسرقة و تسعة طويلة وجدوا بيئة جاذبة و مشجعة فى هذه المناطق . إن انتشار مثل هذه الأعمال و غيرها أصبحت أكبر مهدد للأمن و سلامة المواطنين وأسرهم و مهدد اكبر لعودة النازحين و اللاجئين الى هذه المدن و المناطق و مدينة أم درمان فى ولاية الخرطوم افضل مثال لذلك و لكنها هذه الايام تشهد حملات أمنية قوية و مبشرة لمكافحة هذه الظواهر المدمرة التي تفشت على نطاق واسع و لذلك يجب الإشادة بهذه الحملات و تثمينها والاقتداء بها ولعلها استفادت من حالة الطوارئ المعلنة فى هذه الولاية فى إعادة صياغة و ضبط حالة السيولة الأمنية التى تشهدها.

زر الذهاب إلى الأعلى