كتاب رائ وعالمية

أمينة التقي تكتب.. هكذا رأيت الخرطوم بعد الحرب (واقع جديد يتشكل)

الخرطوم | الآن نيوز

منذ لحظة تحركي من مدينة بورتسودان متجهة إلى الخرطوم، كنت أحمل في ذهني صورة قاتمة لما آلت إليه العاصمة بعد ما تعرضت له من دمار واسع خلال الحرب. صورة رسمتها الأخبار، وتناقلتها الأحاديث، ورسختها مشاهد الخراب التي ظلت تتكرر في وسائل الإعلام.

لكن ما إن وطئت قدماي الخرطوم، حتى بدأت تلك الصورة تتلاشى شيئاً فشيئاً.

قمت بجولات ميدانية شملت عدداً من المواقع الاستراتيجية التي شهدت أعنف المعارك وكانت مسرحاً لعمليات عسكرية لفترات طويلة، من بينها مطار الخرطوم، ووسط العاصمة، وجنوبها، وشرقها، إضافة إلى بعض المناطق الطرفية. وخلافاً لما كنت أتوقع، وجدت أن الواقع مختلف، وأن حجم التعافي والتحسن فاق التقديرات المسبقة.

وخلال الزيارة، أجريت لقاءات مع عدد من المسؤولين، على رأسهم الفريق إبراهيم جابر، عضو مجلس السيادة الانتقالي، وقائد ومهندس تهيئة البيئة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، إلى جانب والي الخرطوم وعدد من القيادات المدنية والعسكرية. وقد وقفت هذه اللقاءات على حجم الجهود المبذولة لإعادة الاستقرار، ومعالجة آثار الدمار، وتهيئة العاصمة لاستقبال مواطنيها.

صحيح أن بعض المؤسسات ما زالت متأثرة بالدمار، إلا أن التحسن في الشكل والمضمون بات واضحاً، ما جعل العودة الآمنة إلى الخرطوم أمراً سهلاً وميسراً لكل من يرغب، في ظل توفر الأمن وانتشار الطمأنينة.

الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، متوفرة في عدد كبير من الأحياء، بل إن بعض المناطق تشهد استقراراً ملحوظاً في الخدمات. المواطنون يمارسون حياتهم بشكل شبه طبيعي، والأسواق تعمل، والاحتياجات متوفرة، والحياة تدب في أوصال العاصمة من جديد.

تزامنت الزيارة مع احتفالات البلاد بعيد الاستقلال، حيث بدت الشوارع نابضة بالحركة، يملؤها المارة من صغار وكبار، نساءً وأطفالاً، جميعهم يحملون علم السودان ويرتدون ألوانه في لوحة وطنية مؤثرة، تؤكد أن السودان، رغم الجراح، ما زال بخير.

نظمت حكومة ولاية الخرطوم احتفالاً ضخماً داخل مبنى البرلمان، في رمزية وطنية عميقة تعيد للأذهان لحظة إعلان الاستقلال الأولى. وضم الاحتفال مشاركين من مختلف ولايات السودان، في رسالة واضحة مفادها أن الخرطوم ستظل عاصمة جامعة لكل السودانيين.

شهد الاحتفال حضوراً أنيقاً لمجلس السيادة الانتقالي، ممثلاً في الدكتورة نوارة أبو محمد، إلى جانب حكومة الأمل، ووالي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، وقيادات أمن الولاية، وممثلي الطرق الصوفية، ورجالات الدين المسيحي، إضافة إلى أسر فنية وإعلامية.

وكانت مشاركة الطلاب لافتة ومميزة، حيث قدموا فقرات غنائية وكورالاً وطنياً عبر عن معاني الاستقلال في ذكراه السبعين، فيما لعب وزير الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، سعد الدين الطيب، دوراً بارزاً في إخراج الاحتفال بصورة بديعة تركت أثراً عميقاً في نفوس الحاضرين.

وضمن فعاليات الاحتفال، تم تدشين مقر معمل بنك الدم المركزي (استاك)، واستلام 26 عربة جوالة لبنك الدم، إلى جانب إعادة تأهيل وصيانة عدد من المرافق الصحية، تحت إشراف رئيس لجنة إعادة إعمار الخرطوم المهندس إبراهيم جابر، في رسالة تؤكد أن ملف الصحة يحظى بأولوية قصوى.

كما كان لوزارة الشباب والرياضة حضور فاعل، عبر تنظيم سباقات دراجات، وألعاب قوى، ومهرجان الخرطوم الثقافي، الذي شكّل لوحة نابضة بالحيوية وأكد عودة النشاط والإشراق إلى العاصمة.

ومن اللحظات المؤثرة، إعادة افتتاح مقر اتحاد الصحفيين السودانيين بعد إغلاق دام منذ اندلاع الحرب، بحضور رسمي وإعلامي كبير، في إشارة واضحة إلى عودة الصحافة السودانية إلى قلب عاصمتها.

ختاماً، كانت هذه الزيارة أول عهدي بالخرطوم منذ اندلاع الحرب، وقد غيّرت كل الصور الذهنية السابقة. رأيت بعيني أن العودة إلى الخرطوم لم تعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية لإعادة الإعمار، ولأن الخرطوم ستظل دائماً الحاضنة الكبرى لكل الشعب السوداني.

زر الذهاب إلى الأعلى