تقارير وحواراتكتاب رائ وعالمية

أدركوا جنوب السودان

الخرطوم| الآن نيوز

تشهد الساحة السياسية في جنوب السودان توتراً متزايداً يعيد إلى الواجهة المخاوف من انهيار اتفاق السلام المنشط لعام 2018، بعد تصاعد الخلافات بين الحكومة والأطراف الموقعة، وتزايد الانتقادات الموجهة إلى السلطة الانتقالية بشأن الاعتقالات السياسية ومحاكمة قيادات المعارضة، وعلى رأسهم النائب الأول الموقوف للرئيس، الدكتور رياك مشار تينج.

 

تحذيرات من فقدان الثقة وانهيار العملية السلمية

 

خلال الاجتماع الاستثنائي الذي عقدته الآلية المراقبة والتقييم المشتركة المعاد تشكيلها (R-JMEC) في جوبا يوم الثلاثاء، 7 أكتوبر 2025، أطلق السفير المتقاعد جورج أجري أووينو، الرئيس المؤقت للآلية، تحذيراً شديد اللهجة من احتمال انهيار اتفاق السلام في حال استمرار التدهور السياسي والأمني.

 

وأوضح أووينو أن التوترات الأخيرة، واعتقال شخصيات معارضة بارزة، بما في ذلك الدكتور رياك مشار، أدت إلى انسحاب ممثلي المعارضة من آليات مراقبة وقف إطلاق النار، الأمر الذي وصفه بأنه “أكبر ضربة لثقة الشركاء في العملية السلمية منذ توقيع الاتفاق.”

 

وأشار إلى أن حادثة ناصر في 7 مارس الماضي كانت نقطة تحول خطيرة، إذ تسببت في تعطيل تنفيذ بنود أساسية من الاتفاق، وزادت من تعقيد المشهد بين الحكومة والمعارضة المسلحة.

 

ودعا أووينو في كلمته إلى تدخل عاجل من المنظمات الإقليمية والدولية، بما في ذلك الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، والاتحاد الأفريقي، ومجلس الأمن الدولي، من أجل إنقاذ عملية السلام ومنع عودتها إلى مربع العنف.

 

كما أعرب عن قلقه من تدهور الأوضاع الإنسانية جراء استمرار أعمال العنف والفيضانات الموسمية التي عرقلت إيصال المساعدات الإنسانية، محذراً من أن استمرار العجز في معالجة الأزمات المتعددة قد يؤدي إلى تفكك الدولة.

 

وختم أووينو مداخلته بالتأكيد على أن “مسؤولية معالجة الأزمة تقع أولاً على عاتق قيادة الحكومة الانتقالية والأطراف الموقعة على الاتفاق”، مطالباً إياهم بإظهار إرادة سياسية حقيقية واستئناف الحوار، وتفعيل مؤسسات المرحلة الانتقالية، والالتزام الصارم بوقف إطلاق النار.

 

وزير العدل يردّ: لا تتدخلوا في القضاء!

 

وفي موقف يعكس حساسية العلاقة بين الحكومة والآلية الدولية للمراقبة، وجّه وزير العدل والشؤون الدستورية، الدكتور جوزيف قينق اكيج، تحذيراً مباشراً إلى لجنة R-JMEC من التدخل في مسار القضاء، في إشارة إلى محاكمة الدكتور مشار ورفاقه أمام المحكمة الخاصة في قاعة الحرية (Freedom Hall).

 

وقال قينق، في كلمته خلال الاجتماع نفسه، إن السلطة القضائية في جنوب السودان مستقلة تماماً، وإن أي محاولة من جهات خارجية للتعليق أو التأثير على سير المحاكمة قد تُعد ازدراءً للمحكمة وتدخلاً في العدالة.

 

وأضاف الوزير:

 

“أعتقد أن الأمر واضح ومؤكد، إذ لا يجوز طرح القضايا المنظورة أمام القضاء للنقاش العام. فعندما تكون المسألة أمام المحكمة، لا يُسمح لأي طرف بالتدخل، إلا إذا قرر الادعاء العام وقف الإجراءات أو تعديلها.”

 

وأشار إلى أن اللجنة، رغم دورها الرقابي في تنفيذ اتفاقية السلام المنشطة لعام 2018، يجب أن تحترم مبدأ الفصل بين السلطات وتترك القضاء ليؤدي مهامه بعيداً عن الضغوط السياسية أو الدبلوماسية.

 

تقاطعات سياسية تهدد المسار السلمي

 

ويأتي هذا التوتر بين وزارة العدل والآلية الدولية في وقتٍ يتصاعد فيه الجدل السياسي حول عدالة محاكمة رياك مشار، حيث تعتبرها أطراف عديدة داخل المعارضة “محاكمة سياسية ذات طابع قبلي”، بينما تصر الحكومة على أنها “قضية قانونية بحتة تتعلق بجرائم وقعت في ناصر.”

 

ويرى محللون أن هذا الاشتباك العلني بين الحكومة وR-JMEC يعكس تدهور الثقة بين الأطراف الموقعة على اتفاق السلام، وأن تحذيرات أووينو تمثل “صرخة إنذار” حقيقية بأن اتفاق 2018 يواجه خطر الانهيار الكامل إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة لإعادة بناء الثقة وضمان العدالة لجميع الأطراف.

 

دعوات لتدخل إقليمي ودولي عاجل

 

تتزايد الدعوات في الأوساط الإقليمية والدولية إلى تدخل فاعل من الإيقاد والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لإعادة ضبط مسار اتفاق السلام، خاصة في ظل تجمد معظم بنوده الأساسية، مثل توحيد القوات، وإعداد الدستور الدائم، وتنظيم الانتخابات العامة.

 

ويرى مراقبون أن استمرار التدهور السياسي، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والإنسانية، قد يؤدي إلى تفكك الدولة الهشة، إذا لم يتم احتواء الأزمة الحالية بسرعة.

 

🕊️ خلاصة المشهد

 

التحذيرات الصادرة عن رئيس R-JMEC وردّ وزير العدل يعكسان حالة استقطاب عميق داخل منظومة الحكم الانتقالي في جنوب السودان.

ففي حين تدعو الآلية إلى تدخل دولي لإنقاذ اتفاق السلام، تصر الحكومة على حماية استقلال القضاء ورفض أي تدخل خارجي، مما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مصير العملية السلمية برمتها.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى